الحلقة الثانية
وكانوا كذلك إلى أن وقعت فتنة المسلمين هناك ، فخرج ، جدهم من مقره في (غرناطة) بعد سقوطها في أيدي الأفرنج في القرن العاشر الهجري ، ونزل مدينة فاس ثم توجه (إِنْفَا) من أبنائه من مقر أسرته في مدينة فاس إلى تمبكتو عاصمة الصحراء الكبرى وكانت تابعة للمغرب في ذلك الوقت عند ما سمع بتولي مبارك بن محمد الغرناطي منصب (باشا تمبكتو)مؤملا أن ينال الحظوة لديه بسبب الروابط التي كانت تربط آباءه ببني الأحمر مع جميع الغرناطيين ، إلا أن هذا الأمل سرعان ما تبخر حيث لم تدم باشوية مبارك الغرناطي سوى أربعة أشهر ما بين إبريل 1707م إلى أغسطس من العام نفسه ، فوجه (إنفا) نظره إلى الصحراء لمحاولة إرساء أسس راسخة له ولأولاده فيها، وهذا ما تم له فيما بعد وكان استقراره في هذه الصحراء في بدايات القرن الثاني عشر الهجري وأول عمل قام به هو حفر بئر (إِنَتْلَكْ) وقد أخبرنا أحد كبار السن من ذريته الموثوق بهم أن بئر (إنتلك) كانت عليه صخرة كتب عليها تاريخ الانتهاء منه هكذا:1120هجرية، ويترجح أن إنفا قد قام بعدة زيارات للصحراء التمبكتية ضمن القوافل التي كانت تتردد ما بين المغرب وتمبكتو في ذلك الوقت قبل أن ينتقل بأسرته من فاس إلى الصحراء في عهد الباشا مبارك الغرناطي عام سبعة وسبعمائة وألف للميلاد وهو ما يوافق عام عشرين ومائة وألف للهجرة والله أعلم(3). وكانت قبائل البربر والطوارق وبعض القبائل العربية تسكن هذه الصحراء ، وقد دخل هؤلاء الأنصار هاربين من نصارى الإفرنج الذين طاردوهم إلى أن دخلوا هذه الصحراء فتتبعوا آثارهم مما اضطر الطوارق إلى نصيحة أفراد هذه الأسرة الأنصارية لينجوا من نصارى الإفرنج أن يتلقبوا بألقابهم حتى لا يميز هؤلاء النصارى بين الأنصار المستهدفين (1) وبين الطوارق سكان الصحراء وأهلها الأصليين. وقد استوطن جدّهم تلك الصحراء فأمن فيها على دينه وعرضه واتخذها موطنا لأسرته من آل قطب بن محمد المختار بن إنفا الأنصاري ، من بني الأحمر من بني نصر من سلالة قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي الأزدي القحطاني وقد حفروا الآبار في تلك الصحراء وساد الأمن والرخاء ونشروا العلم النافع حتى كان من بينهم من تم اختياره من قبل سكان الصحراء شيخا عليهم كلهم على اختلاف أجناسهم وهو الشيخ محمد علي بن الطاهر الأنصاري .
قصة دخول جد الأنصار من آل قطب إلى الصحراء الكبرى بعد سقوط الأندلس قادما من فاس بالمغرب وهو نافع الأنصاري( إنفا) – رحمه الله .
وهذه القصة رواها لي الشيخ عبد الله بن الشيخ الحسن بن محمد المصطفى الأنصاري أثناء قدومه للعمرة عام 1418هـ والتقائي به في منزل والدي ( رحمه الله) بمكة المكرمة وأخبرني بأنه قد سمعها من فم الشيخ محمد علي بن الطاهر الأنصاري (رحمه الله) زعيم الصحراء سابقا، والشيخ عبد الله بن الحسن مقيم في الجزائر في مدينة (تمراست) ويعمل في قنصلية جمهورية مالي بها.
قال: إن جدنا خرج من فاس مع رجل من الأشراف إليه ينتسب أشراف (تَنْهَلَّتِينْ Tanhallaten ) المعروفين اليوم في صحراء أزواد.
وكان قصدهما أن يجربا حظهما داخل الصحراء الكبرى في تعليم الناس والاعتزال والصيد ، وكان المكان الذي نزلا فيه من تلك الصحراء يخضع لإمارة أشهر زعماء الطوارق في ذلك الوقت وهم : كل تَكَمِّيطْ أو كل أكمِّيطْ
Kal takammet وتكمِّيطْ وسمهم ،وعرفوا بعد ذلك بقليل إلى يومنا هذا ب : إولمدَنْ Ewallamadan و سيأتي معناها و سبب التسمية.
وما إن استقر جدنا والشريف الذي معه في ذلك المكان إلا وعلم بهما بعض أتباع تلك الإمارة فأبلغوا سلطانهم بذلك على الفور ، وكان جدنا يملك فرسا ذا لون غريب وهو اللون الأزرق ويلبس كذلك ثوبا فضفاضا بنفس اللون وكان أيضا غريبا عندهم ، فأمر سلطان (إولمدن) فرقة من جماعته لإحضار الفرس والثوب ! وكان مطاعا ومهابا بحيث لم يتعود على أن يجرؤ أحد على مخالفته أو عصيانه ، وذهبت الفرقة لتنفيذ ما أمرهم به السلطان ، وعند ما قدموا إلى حي جدنا كان هو الموجود في الحي حيث كان نظامه هو ورفيقه الشريف التناوب على الصيد وحراسة الحي ؛ فيوما لهذا ويوما للآخر ؛ فرحب الشيخ بالوفد وسألهم عن الغرض من قدومهم فأخبروه بأن السلطان يريد الفرس والثوب على أن يرسل ثوبا آخر بدل الثوب ، كما أن عليكم ترك المراعي في حدودنا ومرابعنا أو دفع الجزية ، ولم يكن الشيخ متعودا على مثل هذه الأوامر والنواهي؛ فرفض تنفيذ كل ذلك ، وعند ذلك همّ رئيس الفرقة بضرب الشيخ بقوائم الفرس الذي كان على ظهره –أي الرئيس- فانتبه الشيخ فانفلت من أمام الفرس ؛ ثم ضرب فارسه –الرئيس- على رقبته بعصا كانت بيده فجمد في مكانه ولم يستفق حتى صب عليه الماء ، وخرج لسانه من فمه ولم يستطع العودة أبدا ، فخافوا ورجعوا ،وكانوا حكماء عندما سألهم السلطان عن سبب تخلفهم في تنفيذ ما أمرهم به ، فأجابوه بأن هؤلاء الناس لم نر مثلهم في بلادنا وتبدو عليهم سمات الخير ،وسوف يكون لهم مستقبل ولن تتأخر أو تتردد قبيلة من قبائل بلادنا في استقطابهم وضمهم إليها ؛ فما ننصحك به هو احتواؤهم إليك حتى لا تسبق إليهم فسرّ السلطان بهذه النصيحة ، فأرسل للشيخ عشرا من الجواري وعشرة من الصبيان هدايا خاصة له ، ثم عرض على الشيخ الإقامة في حدودهم والرعي فيها مع تلبية كل طلبات الشيخ ، فقبل الشيخ الهدايا والعرض على أن له شروطا بعد عام من الآن .
أما الشريف الذي كان مع جدنا عندما رجع من الصيد أخبره جدنا بما حصل بينه وبين القوم غضب ، ورد عليه بقوله : إن فعلك هذا خطير ويخالف ما اتفقنا عليه من التبتل والاعتزال وعدم الخوض في أمور سياسية أو حربية تخالف الاشتغال بالعلم وتعليمه للناس وعزلة الناس ، وعندما رجع الوفد للمرة الثانية وأحضر الهدايا وقبلها جدنا غضب الشريف فاستأذن جدنا في مفارقته وأن يهاجر إلى أروان معللا ذلك بما صار عليه جدنا من البدء في الخوض في أمور مخالفة لما اتفقا عليه وبالفعل تركه إلى أروان واستقر بها .
ثم إن جدنا أرسل له سلطان (إولمدن) مجموعة من أبنائهم لغرض أن يدرسهم جدنا ويعلمهم القراءة والكتابة ، وبقوا عند الشيخ عاما كاملا يحاول تعليمهم ؛ لكنه عجز لعجمتهم وفساد ألسنهم ، فأرسل إليه السلطان طالبا إعادة الطلاب إن كانوا قد تعلموا ، فرد عليه الشيخ بأن أولادك هؤلاء لا يتعلمون ومعناه بلغة السلطان (وِي وَرْلَمَّدَنْ) فذهبت الكلمة في الصحراء واشتهرت وتطورت مع مرور الأيام إلى أن صارت (إولمدن) اسما لهؤلاء من (كل تكمِّيطْ) ومن هنا جاءت التسمية .
انضمام بعض القبائل التابعة لسلطنة إولمدن إلى جوار وحماية الشيخ إنفا جدنا
كان سلطان إولمدن يأخذ الجزية من كل سكان المنطقة التابعة له قبل نزول جدنا ، وعندما جاور جدنا بعض هذه القبائل التابعة لسلطنة إولمدن عجبهم تقواه وصلاحه وعدله فشكوا إليه حالهم مع سلطان إولمدن ودفعهم للجزية له ، وإذلاله لهم فاشترط عليهم الشيخ محمد إنفا لحل هذه القضية لهم وإعفائهم من دفع الجزية لإولمدن أن يسموا أنعامهم بوسمه وهو ما يشبه حرف الإين اللاتيني N وهو رمز للثعبان ويسميه الطوارق :تاشالت بمعنى الثعبان أيضا ، كما اشترط عليهم أن يكونوا معه في العسر واليسر يجاورونه ويخدمونه ويحاربون معه إن لزم الأمر فقبلوا ذلك ، فبدأ في حفر الآبار في المنطقة ووسمها بوسمه وكل بئر يفرغ من حفره يسميه باسم الجماعة التابعة له في منطقة البئر المحفور ، ثم إن الشيخ أبلغ سلطان إولمدن بشرطه الذي حدثه بأنه سيشترطه عليه بعد مرور سنة كاملة وهو ألا يتعرض لأي شيء تم وسمه بالوسم التابع له –وهذا الوسم اتخذه الشريف الذي انتقل إلى أروان وسما له أيضا- وبهذا تم استقرار الشيخ محمد إنفا في هذه المنطقة وهذه هي قصة القبائل الكثيرة التي تتبع ذريته من الأنصار في هذه المنطقة من كل أغزاف وكل إنوكندر وكل إنغوزمي وكل الحرما وإمقشرن …الخ ،وقد استمرت هذه العلاقة حتى وقتنا الحاضر ثم بدأت تتفكك بعد الجفاف والشتات في الأمصار بعد عام 1970م واستقلت كل قبيلة بأمرها ،وقد حفظ إولمدن عهدهم للأنصار في تلك الصحراء حتى يروى أنهم كانوا مع الأنصار أو محايدين في حروبهم الشهيرة ضد قبيلة كنتة العربية من بقايا بني أمية في هذه المنطقة .
والمشهور في ذلك خبر أحد سلاطينهم المتواتر وهو (وَانْ جَكَّادْ Wan jakkad) عندما أرسل إلى رئيس جماعة منهم في الشمال سمع أنه قد انحاز إلى كنتة فنصحه بضرورة لزوم الحياد بين الأنصار وكنته وإذا أبى إلا الانحياز فسوف تكون الحرب بينهما في طرف وبين الأنصار وكنته في طرف آخر وله أن يختار بعد ذلك أي الحلين أفضل بالنسبة له فاختار الحياد .
كما يروي لنا الشيخ الشاعر الكبير أحمد بن عبد الله الأنصاري قصة أخرى مماثلة عن شيخه العلامة القاضي محمد المختار بن حود الأنصاري وكلاهما سأورد ترجمته لاحقا إن شاء الله.
يقول الشيخ أحمد : إنه في يوم 22/5/1388هـ ، وأثناء ترددي على شيخنا محمد المختار بن حود الأنصاري لدراسة ألفية المعاني للسيوطي حيث كان رحمه الله بجوارنا في تلك الأيام شمال غربي (تِنْ ألَدَا ) : أفضى إلي الشيخ رحمه الله بأمر كان بالنسبة لي مفاجأة لا تخطر على البال وهو أن الأمر الشائع عند جماعتنا من قدوم جدنا من المدينة المنورة مارا بمصر ثم دخل الصحراء المغربية من جهة مصر مباشرة ويسمون جدهم هذا في لغة ( كل تماشق) الطوارق ( آبا وان مصر) أي الأب المصري :غير دقيق وقد أشيع في زمن معين لأسباب أمنية وسياسية قد زالت الآن ولهذا أصرح بالحقيقة الآن وهي أن جدنا الذي يطلق عليه الأب المصري غير جدنا الذي قدم إلى الصحراء فالأب المصري هو الحاج عبد الله (بلا) بن قطب بن محمد الختار بن إنفا وقد حج البيت الحرام تاركا أبناءه في الصحراء المغربية الكبرى وبعد الحج رجع واستقر مؤقتا بمصر وتزوج فيها حتى وافته منيته بمصر فدفن فيها ولا ريب أن له ذرية أخرى من الزوجة المصرية وإن كنا لا نعرف عنها شيئا.
أما جدنا الكبير الذي ينتسب إليه جميع الأنصار في هذه البلاد – يعني الصحراء الكبرى- فهو (إنْفَا) الأنصاري جد الحاج عبد الله (بلا) ، و الصحيح أن مقدمه كان منطلقه من مدينة فاس بالمغرب ، ويرجع نسبه إلى آخر ملوك بني نصر وهذا ما لا يعرفه إلا خاصة الخاصة بسبب حرصهم على إخفاء ذلك لأسباب من أهمها:
1- إخفاء نسب الأسرة إلى بني نصر لإبعاد أي صلة أو تعلق بالملك والدولة لأسباب أمنية بحتة لاستمرار البحث عن الأسر التي كانت لها علاقة بالإمارة في الأندلس من قبل النصارى الذين احتلوا الأندلس بعد سقوطها لاستئصالها ، ومن بعض الحكام المسلمين الذين يخشون المنافسة..، و لهذا لجأوا لإبراز الجانب الروحي والديني في حياة الآباء والأجداد وما يستلزمه من ورع وزهد وعزلة بل وتصوف أحيانا… للسيطرة على المكانة الدينية في المجتمع الصحراوي .
2- إظهار الاندماج في الطوارق وهم سكان المناطق الرعوية الخصبة ، والاتكاء على أواصر الخئولة والمصاهرة معهم لكسب ودّهم وولائهم والتقوّي بهم.
3- عدم قيام القلة المؤهلة بوضع الأمور في نصابها فيما بعد بسبب التواكل وقلة الاهتمام…
هذا وقد وعدني رحمه الله أن يملي علي رسالة بها معلومات وافية يثبت فيها نسب آل (إنفا) إلى أبي عبد الله الصغير آخر ملوك بني نصر ، وكيف وصل أبناؤه إلى فاس في المغرب ، وكيف انتقلوا إلى صحراء تمبكت واستقروا فيها ، إلا أنني – لسوء الحظ – لم أتمكن من ذلك لانشغاله رحمه الله بأمور الحياة الصعبة في تلك الصحراء ، وكذلك لسفري وعودتي للمملكة .. وأعترف أن ذلك كان تقصيرا مني لعدم إدراكي حينئذ لأهمية الأمر وإعطائه ما يستحقه من عناية ومتابعة ولو أدى إلى تعطيل الكثير من المصالح ، وذلك بسبب صغر سني إذ كان عمري سبعة عشر ربيعا … وحيث أن البكاء على فائت لا يجدي شيئا فقد آليت على نفسي أن أسير على الطريق الذي رسمه لي شيخنا ووضع أقدامي عليه حتى أصل إلى الحقيقة مهما اعترض دونها من عقبات ومثبطات ، والحمد لله على ما تم تحقيقه حتى الآن ، ونحن بعون الله ثم بمساعدة المخلصين سائرون في هذا السبيل … والله الهادي .
انتهت رواية الشيخ أحمد الشفوية بنصها أو قريبا منه.