الثانية أهم أم الأولى ؟!
عبد الرحمن مصطفى الأنصاري
صليت بجانبه في المسجد صلاة العشاء ، ولما أردت الانصراف أمسك بيدي بلطف وأشار إلي بالانتظار .
ـ أشرت إليه : خارج المسجد .
ـ جاءني مسرعا ، وقال : أريدك في موضوع .
ـ قل .
ـ أريد أن أخطب فلانة بنت فلان ، وأريد رأيك في الموضوع .
ـ هل ترضاها دينا وخلقا ، وترضى بمصاهرة أهلها .
ـ صالحة ، تقية ، وأكرم بأهلها من أهل ، استرسل ، والديكور جيد بل رائع .
ـ رأيي ....
ـ قاطعني ، ثم إنها بعثت إلي برسالة وردية سرية للغاية تطلب مني أن أتقدم إليها ، وأهلها لا يردون على موافقتها إلا بالموافقة والرضا ، لمكانتها عند هم وثقتهم بها ، وشرطها : إمساك بمعروف أو ....
ـ رأيي : أن ندع هذا الحديث ، ونذهب حالا للخطبة ثم للعقد ، إن تيسر الأمر .
ـ يعني : توافقني الرأي .
ـ بل أشجعك .
ـ جزاك الله خيرا ، اكتم عني ، حتى أستشير أكثر .
ثم ودعني ، وانصرف مسرعا .
• فكرت في نفسي : إنها فرصة لو اغتنمها .
جد بي سفر فسافرت ، وعدت بعد ثلاث ليال ، ووصلت مع إقامة صلاة العشاء فصليتها في مسجد الحي ، وبعد السلام ، أشار إلي من أقصى يمين الصف .
ـ أشرت إليه : خارج المسجد .
ـ أقبل إلي ّ متثاقلا .
ـ بادرته بالسلام ، بشّر .
ـ صدق الشاعر :
من ضيع الحزم جنى لنفسه *** ندامة ألذع من سفع الذكا .
ـ ما الذي حصل ؟
ـ يا أخي : ليتني أخذت برأيك !! ثم استطرد : استشرت زميلي فلانا ، فأشار علي بالتريث والتأني في الموضوع ،معللا أن الأمر " ملحوق " !!! ثم ... أمسك عن الكلام .
ـ ثم ماذا ؟
ثم تفاجأت بخبر هد كياني ، لقد تقدم فلان لخطبة فلانة ، أرجَأَت الموافقة عليه ، ريثما تنقضي عدة رسالتها السرية ، ولما لم أرد خلال المدة المبينة في الرسالة ، وافقتْ على الزواج ووافق الجميع وانتهى كل شيء .
ـ ثم قال : وأنا والله ندمت ندامة دونها ندامة الكسعي .
* أردت تسليته عن مصابه بتجاذب أطراف الحديث عن الفرص واغتنامها ، فقلت له : هل لك أن نجلس معا للحديث قليلا .
ـ لا أريد غير ذلك ، علّك أن تخفف عني حسرتي وندامتي .
ـ حسنا ... سأحدثك عن الفرصة بما حضرني على أن تشاركني في حديثي .
ـ قل ، أسمع ، فأنا متشوف لذلك .
ـ الفُرْصةُ : النُّهْزَةُ والنَّوْبةُ والسين لغة . وقد فَرَصَها فَرْصاً وافْتَرَصَها وتَفَرَّصها: أَصابَها . وقد افْتَرَصْتُ وانتَهَزْتُ وأَفْرَصَتْكَ الفُرْصةُ : أَمْكَنَتْكَ . وأَفْرَصَتْني الفُرْصةُ : أَي أَمكَنَتْني . وافْتَرَصْتُها: اغتَنَمْتُها .
والفَرْصاءُ من النُّوقِ : التي تقوم ناحيةً فإِذا خلا الحوضُ جاءَت فشربت .
قال الأَزهري: أُخِذَت من الفُرْصة وهي النُّهْزَة .
يقال : وجد فلان فُرْصةً: أَي نهزة .
وجاءت فُرْصَتُكَ من البئر: أَي نَوْبَتُك .
وانتَهَزَ فلانٌ الفُرْصةَ : أَي اغتَنَمَها وفازَ بها.
والفرصة: اختلاس الشيء حذرا من فواته.
ـ صديقي أشار علي بالتريث ، وزعم أن الأمر " ملحوق " ، ولو كانت لي هذه المعلومة سابقا لتقدمت حذرا مما حصل !!! ثم قال : واصل يا أخي .
ـ لا تنس شرطي .
ـ نسيته ، ذكرني به .
ـ لا بأس عليك ، هو أن تشاركني في الحديث ، فالمجال الآن لك .
ـ أحسنت ، لقد جمعت بعض الفوائد عن الفرصة لكن بعد فوات الأوان .
ـ هاتها ، عجل بها ، بارك الله فيك .
ـ قول مأثور عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في اغتنام الفرصة .
ـ أفدني به .
ـ قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: انتهزوا الفرصة فإنها تمر مر السحاب.
ـ أحسنت ، قال الشاعر :
وانتهزِ الفرصةَ قب ... ل فَوْتِها واستدْرِكِ
وقال آخر :
من غَنِم الفرصةَ أدْركَ المُنَى ... ما فاز بالكَرْمِ سوى الذي جَنَى
ولذلك قالت الحكماء : من أخر الفرصة عن وقتها، فليكن على ثقة من فوتها.
ـ لو أنها فاتت ولم تورث حسرة لكان الأمر هينا .
ـ لا يمكن ذلك ، ولذلك قالت العرب : بادِر الفرصة قبل أن تكون الغُصّة.
ـ هل هناك مأثور عن مبادرة الفرصة في كلام العرب ؟
ـ أجل ، قيل لبعض الحكماء : ما الأدب؟ قال: تجرع الغصة حتى تنال الفرصة.
قيل : فما الحزم؟ قال: انتهاز الفرصة.
وقيل لآخر : ما البلاغة؟ قال: وضوح الدلالة، وانتهاز الفرصة، وحُسْن الإشارة.
ـ هل للفرصة ضابط يمكن معرفته ؟
ـ نعم ، ليست الفرصة إلا ما إذا أخطأك نفعه لم ينلك ضرره.
ـ لكن يا أخي ، يبدو أن الواحد منا لا يستطيع انتهاز الفرصة إلا بتوفيق الله تعالى ثم بمعونة الأحباب .
ـ لله درك ، لا شك أن اليد الواحدة لا تصفق ، والمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه ، والعرب قالت : لا تتم الفرصةُ إلا بحضورِ الأعوانِ .
ـ إذاً ، هل هناك فرص مواتية يمكن لنا انتهازها ؟
ـ زادك الله فهما ، هذا السؤال أنتظره منك على أحر من الجمر ، الفرص المواتية كثيرة جدا ، وأهمها في رأيي : فرصة التعليم ، فالعلم في الصغر كالنقش في الحجر ، والأيام تمضي بسرعة البرق ، والفرص أسرع منها .
ـ لكن ، مسألة الأعوان ، ما رأيك فيها ؟
ـ أرى أن فرصة التعليم التي مثلنا بها أصبحت مواتية لنا أكثر من أي زمن مضى ، وما ذلك إلا بفضل الله تعالى ثم بفضل الجهود المبذولة من قبل شيخ الأنصار ومساعديه .
ـ كأنك تحثني على عدم تضييع الفرصة الثانية .
ـ بل أحرجك ، ولا تتعلل بالعلل الواهية التي تتردد في أوساط شبابنا بعد أن هيئت لهم المائدة على طاولة الجامعة .
ـ حقا ، تقصدني وأمثالي !!!.
ـ اللبيب يفهم بالإشارة والتلميح ، وهذا تصريح ، وفرقي أن تكون الفرصة بعد زوالها غصة .
ـ رنّ جوال صديقي : ألو .. أنا ، فلانة ـ والدته ـ تأمره بالقدوم إليها حالا ، مع السلامة يا أخي إلى لقاء آخر ، وقبل الوداع ، كلمة تود نشرها .
ـ نعم ، تحية إكبار ، لشيخ الأنصار .
ـ ودعني شاكرا ووعدني بنشرها : في منتديات الأنصار .