الإنسان ... بين الإنسان والحيوان
عبد الرحمن مصطفى الأنصاري
***
خلق الله الإنسان ليحيا حياتين ويموت موتتين .
{ رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ }
***
يعيش في هذه الدنيا حياته الأولى في أحوال متقلبة من صغر وكبر ، فرح وترح ، سعادة
وتعاسة صحة ومرض ، عزة وذلة ، نصر وهزيمة ، غنى وفقر ، و ......
وفي كل ذلك إنما يغذ المسير نحو حياته الثانية في الدار الآخرة في نعيم مقيم ، أو في عذاب أليم .
***
ولما كانت حياته في الدنيا تتعرض لتلك الأحوال المتقلبة ، احتاج إلى مقومات تسانده للبقاء ، تشريفا
له وتمييزا عن عالم الحيوان .
***
حصل الإنسان على تلك المقومات مكرمة ومنحة من الله عز وجل .
والمقومات التي حصل عليها ؛ ليقاوم بها تلك الأحوال المتقلبة ، أكثر وأجل من الأحوال ذاتها .
{ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها }
****
العقل والإدراك من أعظم تلك المقومات خطرا ، فبه يميز الإنسان ما ينفعه مما يضره من هدى
وضلال وخير وشر في معاشه ومعاده ، ونده في ذلك العلم .
فإذا اجتمع له العقل والعلم وعمل بهما فاز بالكرامة في الحياتين .
والتنازل عن تلك المقومات وتعطيل العمل بها ينزل بالإنسان إلى مصاف الحيوان ، بل هو أضل
وبعض الحيوان ناجح بل متميز في أداء دوره في الحياة الأولى فحسب ، لكنه ينقلب ترابا في الأخرى
إن كان أعجم ، وحطبا للنار إن كان ناطقا ، وحتما لن يفوز بالكرامتين !!! .
***
فعلى من أراد التميز في الحياتين أن يسعى ويكد في تحصيل أكبر قدر من تلك المقومات ـ المكتسب
منها ـ ثم في توظيفها بالطرق المناسبة التي تكفل له تحقيق النجاح ، وترقى بأدائه إلى مستوى الإبداع .
***
الإنسان إذاً من حيث يثبت ، لا من حيث ينبت ، فالثبات على القيم والمبادئ يميزه عن عالم الحيوان بل
ويتفوق به على أخيه الإنسان .
أدرك هذا المعنى كثير من سلفنا فاعتنوا عناية فائقة بتهذيب النفس ، و العمل لما يضمن لها السعادة
في الدارين ، ولم يتكل عاقل منهم على المنبت من نسب أو حسب ، فامتاز زيد وابنه بحب النبي صلى
الله عليه وسلم ، وفاز سلمان بوسام الشرف : سلمان منا آل البيت ، وربح أبو يحيى ... وساد بلال ....
و الحسن البصري ، ومكحول ، وطاوس وعطاء والضحاك بن مزاحم و .......وكلهم من الموالي .
لقد رفع الإسلامُ سلمانَ فارسٍ ** وقد وضع الشركُ النسيبَ أبا لهب
***
تفطن عقلاء البشر إلى مبدأ : المرء من حيث يثبت ، لا من حيث ينبت ، فسعوا جاهدين لإلغاء
الفوارق التي لا تستند إلى قيمة الإنسان المستمدة من ثباته وكسبه ، الأمر الذي دفع الكثير منهم إلى العمل الدؤوب للحصول على أعلى مستوى من المقومات ، وإن في الدنيا ، فتأهل بذلك من
قيمته و حَسَبُه أدبه فحسب ، إلى أعلى المراتب ، والشاهد في عصرنا الحاضر معهود ذهنا .
العــــالم العــاقل ابن نفســه ** أغناه جنس علمه عن جنسه
كن ابن من شئت ولكن كيساً ** فإنما المــرء بفـضـــل كيـسه
كَــم بين مـن تكــرمه لغــيره ** وبين مــن تكــــرمه لنفسه
مَـــنْ إنما حــيــاته لغـــــيره ** فيـومُه أولى به مِــن أمسـه
***
وأخيرا : لأن تكون عصاميا ، خير من أن تكون عظاميا .
*****
****
***
**
*