مع مَنْ نتحاور في الغرب؟ الاثنين 01 جمادى الآخرة 1430 الموافق 25 مايو 2009
الرياض/ مهنا الحبيل
منذ مدة وصلني بريد من باحثة ضمن فريق أمريكي ـ مصري في جامعة القاهرة الأمريكية، تناول أسئلة عدة عن موقف الإسلاميين من الحوار مع الغرب، ومن قضية تفعيل وتأسيس وتطوير مؤسسات المجتمع المدني، وليس لديَّ موقف مبدئي مناهض لتلك الشخصيات العاملة في إطار تطوير الحياة المدنية لمصلحة كرامة الفرد والمواطن، خاصة إذا كان لديها تفهُّم للثوابت المرجعية للمجتمع العربي الإسلامي.
لكن المشكلة تبرز بوضوح حين تُقرَن تلك الأسئلة باعتبار الغرب مرجعًا للحالة الإنسانية، وعليه يذكر السائل وكأنه ممتنٌّ على التيار الإسلامي: وأن بعض الإسلاميين ليس معارضًا للرؤى الغربية، كما يتصور الغرب (هكذا في التعبير) للتعاون مع هذا الفكر الإنساني للمجتمع المدني الغربي. وهنا تبرز قضية وهي ما أجبت به أولئك الزملاء الباحثين من هذا الغرب..
وقلنا: فيما يتعلق بالغرب مع احترامي بالطبع لقيم الشراكة الإنسانية وشخصيات أفراد الشعب
فيجب أن نحدد:
أيَّ غربٍ نعني؟ هل هو حلف شمال الأطلسي؟ هل هو الاتحاد الأوربي؟ هل هو النظام السياسي الأمريكي بحزبَيْه وفلسفته؟
أم هو العمق العنصري في الأيدلوجية الليبرالية كمؤسسات فكرية وبعض تجمُّعات المجتمع المدني التي تَشَارَكَ الجميعُ في مؤسسات الغرب الرسمية النظرةَ التي لا ترى في العالم الثالث، والشرق العربي خصوصًا، سوى مجتمع حقير ومزرعة استيراد وتصدير، ولا ترى له حقًّا في تطبيق الديمقراطية بإرادته الحرة ومبادئه الإنسانية الحضارية؟
هل هو الغرب المُستعلِي على قيم الإنسان الشرقي المتشبع بفكره وموقفه بأن الأصل أن يكون الشرق تابعًا لا متبوعًا كقاعدة أولى في تحديد المسار الثقافي؟
من المؤكد أن هناك من هُمْ خارج دائرة هؤلاء جميعًا، ومهمتنا ومهمتهم أن نتواصل. وأنا هنا أدرك جيدًا بأن هناك حركةَ وعيٍ إنسانيٍّ لها آفاقٌ تقدُّميَّة بعيدة عن القَوْلَبَة الغربية لحضارة الإنسان بين مثقفي وناشطي الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا. وهي أيضًا تشترك في تفهُّم عالم الجنوب الإنساني، وما أصابه من غلواء إمبراطورية الشمال التي تقودها واشنطن.
هذا ليس وعظًا، ولكنه أساس هام، أنطلق منه في تحديد لغة التفاهم مع الآخر، فبقدر ما أكره نُظُمَ البطش والاستبداد العربية، بقدر ما أعتقد بأن ما يقدمه الطرف الآخر (الذي استثني المجتمع المدني الغربي الحر من تلك الهيمنة، وهو نادر ولكنه موجود) ليس حوارًا حرًّا قائمًا على أساس احترام متبادل، ونقاش عن أصول قياس الرأي، لمعرفة أين الصواب في الحضارات وأين الخطأ والزلل.
من هنا من الصعب أن نجيب ما لم تكن هناك أطُر مُحددة مختلفة عن البرنامج المعتاد الذي نُسأل فيه، فإذا حُددت الأُطر بصورة واضحة تفترض المساواة في تقدير وسائل القياس لتقدم الإنسان حسب ما تعطيه الفكرة والنتيجة، حينها نقول: نعم، بإمكاننا أن نلتقيَ في فضاء الحرية الإنسانية ونتناقش.
أما مادام الأمر يخضع لتوجه محدد المعالم معروف القالَب , و الدعم المادي لأبحاثه مشروطٌ في الأصل لأفكار ومسارات لا تقبل استقلال الشرق وتقرير موقفه الحقيقي، فعليه ـ أيها الأصدقاء ـ لسنا نحن من نقبل بهذه الشراكة المُسيَّرة لا المخيَّرة، وهي بالمناسبة ليست فضيلة أبدًا حين يُحتكر الفكر الإنساني، ويُسيَّر بقرار السياسية والمال، فيتحول إلى سلاح آخر للاستبداد الدولي , والاستبداد والحرية لا يلتقيان.