--------------------------------------------------------------------------------
شاعر أدرك معنى الفن والحياة
في مقـولة تحتـفـظ الذاكرة بـها منذ زمن تصور معنى الخلود والتــواصل مع الحيـاة إلى ما لا نهاية: «إذا أردت أن تحيــا بعد الموت، فاكتب شيئاً يستـحق القـراءة، أو أعمل شـيـئاً يـستـحق الكتابة».
والشاعر أبو الطيب المتنبي كتب ما يستحق القــراءة على مر الزمـــن، فبقــي في الذاكــرة الثقــافــية العربية ومن يتعامل معها لأنه شــاعر عرف أن يتفاعل مع الحياة بشعره، إذ جعله جزءاً منها يتحرك بتحــركاتها في الوقت الذي عاش كشاعر، ومعرفته التعامل مع الشعر والحياة بالتفاعل بينهما، إنه كان يدرك معنى الفن ومعنى الحياة وكيفية المزج بينهما إلى حد الانــدماج في شريحة واحـدة متكامــلة، منها يمكــن النظر إلى الحدث الآني واللاحق في فترته، فهو قد امتاز عن سواه بالذوق، وحدة الذكاء، وسعة الاطلاع على فنون الحياة وآدابها مما هو موضــوع وما هو معرب، خصوصاً التاريخ والفلسفــة، إذ اشتهر بأنه من كبار المثقفين في عصره، وحبه للقراءة يجسده قوله:
«أعز مكان في الدنا سرج سابح
وخير جليس في الأنام كتاب».
وقد رافقت ثقافته طموحاته المتعددة وتنقلاته بحثاً عن المجد وعن مساحات الحرية التي يقول فيها مادحاً من يرى انه كفوء لذلك على أن يكون مدحه لذاته متماهياً مع ممدوحه فهو حاضر في نصه الذي يتقنه كصانع، إضافة إلى موهبته الفذة في تفصيل الحدث بالمقاسات اللازمة التي لا تحتاج إلى أي «رتوش» على أن (أناه) لا تغيب لأنها من صنعت له مكانة:
«أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
واسمعت كلماتي من به صمم».
فثقافة الشاعر وحرصه على تحديد الزمكانية مع تفرده بخاصيته التي خلفها لنفسه بكده وجهده وقوة شخصيته مع فرضه إيقاعه الخاص على فترته، جعلته صورة ذات أبعاد مخترقة للآتي كمثال على الشاعر الذي يشعر بأنه شاعر فقولب نفسه في دائرته الشعرية حيث لم يبرح الشعر، ولم يذهب إلى فنون أخرى قد تؤثر على عطائه وتشغله عن شغله الشاغل (الشعر)، على رغم من قوله:
«الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم».
وسر بقائه يكمن في أنه نسيج وحده بحرصه على شعره ورفعه لنفسه، واعتزازه بها ويجيء ذلك بحكم ثقافته الواسعة، وتفرغه لشعره، واستفادته من الاطلاع على الثقافات الأخرى، وقدرته الخارقة على الهضم على تطعيم ذلك بسخرية لاذعة إذا اقتضى المقام:
«وما طربي لما رأيتك بدعة
لقد كنت أرجو أن أراك فأطرب».
ويكفي أن فيلسوف عصره أبو العلاء المعري وصف شعره في كتابه الضخم (معجز أحمد)، الذي توجه إلى أن المتنبي بزّ من قبله وأحرج من بعده، إذ استطاع مخاطبة الخاصة والعامة بأسلوب راق واصل للجميع.