هدية الأعرابي
أهدى أعربي إلى رسول الله (ص) شاةً ، فلما كان بعد أيام أتاه فسلم عليه وقال: هل تعرفني يا رسول الله ؟ قال: {لا} ، قال: أنا الذي أهديتك الشّاة ، قدمت إليك لتثيبني عليها. قال: فالتفت النبيّ(ص) إلى أبي دجانة ، فقال: {كافئه عني} فمضى أبو دجانة فدفع إليه ناقة فأخذها ، وعاد إلى النبيّ(ص) وقال: إنه أعطاني شيئا استقللته منك فأثبني ، فأمر النبيّ(ص) بمكافأته رجلا آخر ، وهو يعود حتى صار معه تسع من النّوق من تسعة رجال ، فلما عاد بعد ذلك ، وقال كمقالته ، قال النّبيّ(ص): {كم أعطيتموه}؟ قالوا تسع أينق ، فغضب (ص) وقال: {أقسمت لا قبلت هديّة إلا من قرشيّ أو أنصاري} ، فقال حسان بن ثابت : إذن تُجشّم أمّتك يا رسول الله ، ولكن ائذن لي في هجاء هذا الجلف الجائع ، قال:{افعل ، ولا تذكر عرضه} فأنشأ حسان يقول :
أهدى هديتــه المغبــونُ ماعـــزة**فيهـا الوباء فصار الجِلْـف ذا مِنَنِ
حسّـان يُقسم أنّ اللــؤم خالطـــه **عنـد الفطـام وعنـد المهـد واللّــبن
فاقبل هدايا قريش غير محتشـــم** يا خير منتخَب في النـاس مؤتمن
قد كان يحسِبُ هذا الجلف أنْ ربحت**يمينُـه بهِجانٍ ساقهـــا بُـــــدُنِ
قد كان نال المنى والرّبحَ مغتنَماً**فعافه ، ثمّ باع الرّبح بالغــــــبن
فقال النّبيّ (ص) : {حسبُه ، أوجعته يا حسان }..(1 )
فيض القدير [ جزء 5 - صفحة 280 ]
( لقد هممت ) أي قصدت ( أن لا أقبل هدية ) وفي رواية بدله أن لا أتهب ( إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي ) بفتح الدال وسكون الواو وسين مهملة بطن كبير من الأزد لأنهم أعرف بمكارم الأخلاق وأحرى بالبعد عما تطمح إليه نفوس الأرذال والأخلاط ومقصود الحديث أنه ينبغي منع قبول الهدية من الباعث له عليها طلب الاستكثار وخص المذكورين بهذه الفضيلة لما عرف منهم من سخاء النفس وعلو الهمة وقطع النظر عن الأعواض فإن المستكثر رذل الأخلاق خسيس الطباع { ولا تمنن تستكثر } ولما قال المصطفى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذلك قال فيه حسان :
إن الهدايا تجارات اللئام وما . . . يبغي الكرام لما يهدون من ثمن
ذكره كله الزمخشري ( ن ) وكذا الحاكم وصححه ( عن أبي هريرة ) قال : أهدى أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكرة فعوضه منها ست بكرات فسخطه فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فذكره قال الترمذي : روي من غير وجه عن أبي هريرة وقال عبد الحق : وليس إسناده بالقوي انتهى . لكن قال الحافظ العراقي : رجاله ثقات وعزاه الهيثمي لأحمد والبزار ثم قال : رجال أحمد رجال الصحيح،ولعل المؤلف ذهل عنه . انتهى . فيض القدير [ جزء 5 - صفحة 280 ]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــ
1 ) ورد في عدد من كتب الحديث الشريف ، دون ذكر خبر حسان أنظر الترمذي (المناقب 9/424) المسند(2/292) المعجم الكبير(11/18) مجمع الزوائد(4/148) . وقال: رجال أحمد رجال الصحيح . وفي الفائق( 4/83) الحديث كاملا بخبر حسان .