وبدون أي مقدمات أريد أن آخذكم عبر ثرثرتي...بعيداً..
لنكتشف سوياً كيف أن كثيراً من الأدباء وأهل الذوق يعانون من تناقضات الواقع مع ما يتوهمونه من تزلج في فضاءات الجمال وتحليق في أعماق البحار.. وبهرجة في حالك الظلمات.. وغوص في متاهات الحب ومضامير الإبداع..
إن من اعتاد العيش في دنيا من نسج خياله.. وعبارات من صنع جنانه.. وحضن من دفئ فؤاده.. لن يرضى بواقع الحياة كما هي بمنغصاتها ومكدراتها وتحولاتها وتداولاتها
إنني أكاد أجزم أن الهيام وراء أسراب المعاني.. وأطياف الكلمات.. ومعسول العبارات.. يولد نفساً تتكدر بجفاف الحياة.. وقلباً يستعنف معتاد الكلام.. وفؤاد يستخشن الطبيعة الحقيقية.. إنما تنشئ طفلاً يخشى من الفأرة والشوكة والموجة.. فالأولى تتحرك بلا تناسق وتفتقد الانسياب.. والثانية توخز وينقصها اللطف.. والأخيرة تهيج بلا رحمة..
دعوني أفصح عن مقصودي.. فقد نفد صبري مثلكم.. ومللت الاستعارات.. لقد قرأت وسمعت عمن يرسمون للحياة أبهى الصور.. باقة من العواطف وجداول للحب والمشاعر.. ومعاطف من الورد والياسمين .. ثم لما خاضوا غمارها انكمشت كل تلك الصور.. ولم يجدوا لتصوراتهم موقعاً في حياتهم.. فعزفوا عن حقيقتها واستأثروا بخيالتهم.. فعاشوا كما كانوا.. في أوهام.. وهيام.. وغرام في أحلام..
تربعت على عرش أحلامه امرأة جميلة كان ينسج في خياله لها روايات الحب ومسلسلات الغرام.. فلما تزوجها نضبت مخيلته من تلك العبارات.. وتلاشت من ذاكرته تلك المشاعر.. فأصبح جدباً مقحطاً..لأنه لم يعتد العيش مع محيطه.. ولم يكابد مغادرة عالم الخيال.. لم يفتح عينه فيما حوله ليبصر معاني الجمال الحقيقي وشتلات المشاعر الصادقة.. فعجز عن قولبة مشاعره وصياغة عواطفه على حلقات حياته..
فعجزت الحقائق عن تلبية مطالبه وقصر الواقع عن أدنى مبتغاه.. ولم يطق مرارة الغربة عن عالمه(الخيالي) ففر هارباً منها وعاد إلى مراسه..تاركاً الجمال أمام عينيه..والمشاعر ملئ جنبيه.. وراح يحلق بأجنحة الخيال في فضاءات الأماني والآمال.. بدلاً أن بذلها للناس دفئاً وإحساساً.. آثر بها قرطاسا.
ولن يعيش واقعه من حاله{ كباسط كفيه إلى الماءليبلغ فاه وماهوببالغه}
عش واقعك ,ولا تسرح مع الخيال ..وقبل دنياك كما هي ..فسوف لا يصفولك فيها صاحب ولايكمل لك فيها امر , لان الصفو والكمال والتمام ليس من شأنها ولا من صفاتها ! من الذي نال في دنياه غايته ؟!
من ذا الذي عاش فيها ناعم البال ؟!
التعديل الأخير تم بواسطة ابن الأشهليين ; 12-08-2009 الساعة 05:40 AM
سيدي أبو فارس........ أنت انتشلتني من شيئ مفرح وهو الخيال لشيئ محزن وهو الواقع.... لماذا كل هذا التناقض بين الخيال والواقع أعلم تماما أن الحياة لاتسير على وتيرة واحدة ولكن يظل الانسان يحتاج إلى أن يحلم ويحتاج أن يعيش ولو لحظة بسيطة في عالم خياله....... يبدو أن هذا الواقع المؤلم سرق منا أحلامنا وحبنا وبرائتنا وكل شيئ جميل ولكن يبقى الأمل وتبقى الحياة حلوة لأننا نحن من نقود الحياة وليست هي من تقودنا...... أشكرك وبعنف لمقالتك الجميلة ودمت مبدعا دوما.
الخيال نوع من أنواع المفترات وطالما نجول بخيالنا بأشياء ليست من المحرمات
فبرأيي أن هذا النوع من المفترات (الخيال) حلال ويباح لنا أن نصول ونجول به
كما نشاء ، فهو ذا فروع كثيرة منها الأمل وما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
مقال رائع وواقع لك كل الشكر أبو فارس
لن أقول لماذا ولا كيف ولكن يكفى أن أعترف أنها الحقيقة....والتي مهما أبحرنا بخيلنا ومهما غصنا في أعماق عالمنا ...وعشنا مع لحظات التوحد فإننا نعوذ لنعايش واقعنا شإنا أم أبينا ولكن لا ألغي أهمية وضرورة ذاك العالم الذي نلتجي له كلما أردنا أن نسافر بعيداً عن ذاك الواقع الجاق ......فذاك العالم يا سيدي هو الدفئ هو الأمان الذي يجده كل منا ...هو الأرض البعيدة ...هي ذرة من الجمال ...هي جزء من الواقع ...............
أشكرك بشدة أخي أبو فارس على هذه المقالة التي أتحفتنا بها...وأقبل مني كامل إحترامي وتقديري.