شهداء بئر معونة والرجيع
وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتلوا رجلاً من هذيل يسمى سفيان بن نييج في لقاء بينهم ، فأراد الهزليون أن ينتقموا لصاحبهم ، فذهبوا إلى عضل والقارة ، وهما بطنان من الهون بن خزيمه بن مدرك ، ويدخلاني في أحابيش قريش ، وكانا من عتات الأعراب الكارهين لأمة المدينة ، وقد رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوا عليهم فيمن دعا عليهم من بطون قيس عيلان بن معز ممن اعتدوا على آل بئر معونة ، وكان بعض عضل والقارة مقرين بالإسلام دون إيمان حقيقي ، فاقبل سبعة منهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا له:: أن فينا إسلاماً فاشياً ، فبعث معنا نفرا من أصحابنا يقرئوننا القرآن ويفقهوننا في الإسلام ، فبعث معهم سبعة أوعشر نفر من الأنصار ومواليهم ، ورئيسهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي من بني غني ، وهم بطن من باهله من قيس عيلان ، وكان مرثد قد اسلم وهاجر إلى الدينة ، وخرج معه خالد بن أبي البكير ، وعبد الله بن طارق البدري حليف بني ظفر من الخزرج ، وأخوه لأمه معتب بن عبيد ، وكان أيضاً حليفا لبني ظفر ، وخبيب بن عدي بن الحارث بن الخزرج ، وزيد بن الدثنه من بني بياضه من الخزرج ، وعاصم بن ثابت ابن أبي الأقلح من بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس ويلقب بحمي الدبر لأن الدبر أي الزنابير عمت جثته كما سنرى ، ويقال أنه كان أمير الجماعة التي خرجت إلى عضل والقارة ، ولكن الأثبت أن أميرها كان مرثد بن أبي مرثد .
فلما وصل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منازل بني لحيان ومعهم نفر من عضل والقارة أحاط بهم نحو مئة من هؤلاء ومعهم النبل والسيوف ، وكان ذلك في موقع يسمى الرجيع قرب الهدة غير بعيد من الطائف ، وقالوا لهم : ما نريد بكم شرا، ما نريد إلا أن نصيب بكم مالاً من قريش ، ولكن عهد الله وميثاقه لا نقتلكم ، فأما خبيب بن عدي وزيد بن الدثنه وعبدالله بن طارق فاستأسروا وقال خبيب : أن لي عند القوم يداً ( يريد بالقوم أهل مكة ) وأما عاصم بن ثابت ومرثد بن أبي بن أبي مرثد وخالد بن أبي بكير ومعتب بن عبيد فلم يصدقوا ما قاله هؤلاء الغادرون ، وقاتلوا حتى استشهدوا وكانت امرأة من الكفار تسمى سولافه بنت سعد بن الشهيد قد نذرت لمن يأتها برأس عاص من ثابت بن الاقلح مئة ناقة لتشرب فيه الخمر ، لأن عاصماً كان قد قتل اثنين من بينها ، فلما استشهد ذهب قتله ليأتوا بجثته فسرط الله الدبر – أي الزنابير – فاجتمعت عليه ، وحالت دون الوصول إليه طول النهار ، وعندما أتى الليل احتمل السيل فلم يعثر أحد على جثته ولم تحصل عليها سولافه .
وقال عمر بن الخطاب : أن الله عز وجل ليحفظ المؤمنين فمنعه الله أن يمسوه بعد وفاته ، كما امتنع عليهم في حياته .
وقتل معتب بن عبيد بعد أن قاتل قتال الأبطال ، وخرجوا بخبيب بن عدي وعبد الله بن طارق وزيد بن الدثنه ، وساروا بهم مقيدة أيديهم بأوتار قسهم في اتجاه مكة ، فلما بلغوا مر الظهران قال عبد الله بن طارق : هذا أول الغدر ، والله لأصاحبكم ! أن لي في هؤلاء لأسوه – يعني أصحابه الذين استشهدوا – ونزعوا يده من رباطه ، وأخذ سيفه وهجم عليهم ، فانحازوا عنه وجعل يشهد عليهم واخذوا يرمونه بالحجارة حتى قتلوه عند مر الظهران ، وقبره هناك .
وخرج الكفار الغادرون من بني عضل والقارة وبني لحيان بخبيب بن عدي وزيد ابن الدثنه ، فأما خبيب فبتاعه مجير بن أبي أهاب بثمانين مثقالاً من ذهب ، ويقال اشتراه بخمسين فريضة أي ناقة ، ويقال اشتراه ابنه الحارث بن عامر بن نوفل بمائة من الأبل ، وكان مجير إنما اشتراه لابن عقبه بن الحارث بن عامر يقتله بابيه الذي قتل في بدر ، وأما زيد بن الدثنه ، فاشتراه صفوان بن أميه بخمسين فريضة ، قتله بابيه ويقال أنه أشرك فيه أناساً من قريش .
ثم دخل شهر ذي القعدة وهو شهر حرام فحبس مجير خبيب بن عدي في بيت امرأة يقال لها ماوية ، مولاة لبني عبد مناف وحبس صفوان بن أميه زيد بن الدثنة عن ناس من بني جمح ، ويقال عند نسطاس غلامه .
وكانت ماويه قد أسلمت بعد فحسن إسلامها وكانت تقول : والله ما رأيت أحداً خيراً من خبيب ، والله لقد اطلعت عليه من شق الباب وانه لفي الحديد ، وما اعلم في الأرض حبتاً عنب تؤكل ، وإن في يده لقطف عنب مثل رأس الرجل يأكل منه ، وما هو إلا رزقه الله ، وكان خبيب يتهجد بالقران ، وكان تسمعه النساء فتبكين ويرققن عليه قلت له : ياخبيب ، هل لك من حاجه ؟ قال : لا . إلا أن تسقني العذب ، ولا تطعميني ما ذبح على النصب ، وتخبريني إذا أرادوا قتلي ، فلما انسلخت الأشهر الحرام واجمعوا على قتله اتته فأخبرته ، فو الله ما رأيته اكترث لذلك وقال : ابعثي لي بجريده ( يريد موسى ) استصلح بها ، قالت فبعثت له موسى مع ابني أبي حسين (1).
وهنا خافت المرأة أن يمسك خبيب بالسكين والطفل ويهدد بقتله أن لم تطلق سراحه ، ولكن خبيب كان أبعد ما يكون عن مثل هذا التفكير ، فلما أتاه الغلام بن موسى أخذه منه وقال له ممازحاً : وأبيك إنك لجريء ! أما خشيت أمك غدري حين بعثت معك بجريده وأنتم تريدون قتلي ! فقالت ماويه : وأنا اسمع ذلك فقلت : يا خبيب إنما أمنتك بأمان الله وأعطيتك بأهلك ، ولم أعطك لتقتل ابني ، فقال خبيب : ما كنت لأقتل ابنك ، وما نستحل في ديننا الغدر ! ثم أخبرته أنهم مخرجوه فقاتلوه بالغداة .
فأخرجوه بالحديد حتى انتهو به إلى التنعيم ، وخرج معه النساء والصبيان والعبيد وجماعه من أهل مكة ، فلم يتخلف أحد ، إما موتور فهو يريد أن يتشفى بالنظر من وتره ، وأما غير موتور فهو مخالف للإسلام وأهله ، فلما انتهوا به إلى التنعيم ومعه زيد بن الدثنه ، فأمر بخشبه طويلة فحفر لها . فلما انتهوا بخبيب إلى خشبته قال : هل أنتم تاركي فاصلي ركعتين ! قالوا : نعم ، فركع ركعتين أتمهما من غير أن يطيل فيهما .
قال الواقدي : فحدثني معمر بن راشد عن .. عن .. عن أبي هريرة قال : أول من سن الركعتين عند القتل خبيب قالوا: ثم قال : ام والله لولا أن روا أني جزعت من الموت لا ستكثرت من الصلاة ، ثم قال : الله أحصهم عددا واقتلهم بدداً ولا تغادر منهم أحداً .
فقال معاويه بن أبي سفيان : لقد حضرت دعوته ولقد رأيتني وان أبي سفيان ليضجعني إلى الأرض خوفا من دعوت خبيب ، ولقد جذبني أبو سفيان جبذة فسقطت على ظهري فلم أزل اشكوا السقطة زمانا .
ولقد أخافت دعوة خبيب أهل مكة خوفاً شديداً ، ومن ذلك ما قاله جبير بن مطعم لقد رأيتني يوم اذ أتستر بالرجال فرقاً من أن أشرف لدعوته .
ويحكي أن عمر بن الخطاب استعمل سعيد بن عامر بن جثيم الجمحي على حمص وكانت تصيبه غشيه وهو بين ظهران أصحابه فذكر ذلك لعمر بن الخطاب ، فسأله في قدمه قديم عليه من حمص فقال : يا سعيد ما الذي يصيبك ؟ ابك في الجنة ؟ قال لا والله يا أمير المؤمنين ، ولكني كنت فيمن حضر خبيباً حين قتل وسمعت دعوته ، فو الله ما خطرت على قلبي وأنا في مجلس إلا خشي عليه ، وقال : فزادته عند عمر خيرا ... يتبع
(1) السابق نفسه 1/357،356
كل عام وانتم بخير
ورمضان كريم