الحلقة الثالثة عن آل قطب بن نافع الأنصاري :
وفي هذا الصدد وقفت على دراسة معدة بإيعاز من رئاسة جمهورية مالي بعثة الشئون المركزية والإصلاحات المؤسسية بالتعاون مع منظمة العون الأمريكية بعنوان : مشاكل الدمج بين السلطات والمؤسسات التقليدية في إطار الديمقراطية الجديدة في مالي ، وكان فريق عمل الدراسة مكون من : محامان سانوغو وإسمائيلا توري ، وقد وردت قبيلة الأنصار (كل إنتصر) ضمن هذه الدراسة باعتبارهم ضمن المؤسسات التقليدية في المنطقة ومما جاء فيها:(.. وكانت الأحاديث المروية قد نسبت أصل قبيلة كل إنتصر إلى اليمن… ومنذ فترة الجهاد لتحرير مكة المكرمة كان أسلاف هذه القبيلة قد انضموا للقتال إلى جانب الرسول صلى الله عليه وسلم ورافقوه حتى هجرته من مكة إلى المدينة المنورة ومن هنا جاءت تسميتهم بالأنصار (أي أنصار النبي صلى الله عليه مسلم) … وفي أعقاب الحروب الصليبية كان أحد أسلاف الأنصار قد ارتحل من الجزيرة العربية في اتجاه المغرب ، ثم إلى الأندلس بأسبانيا ،ومن الغرب عاد … وتواصل خط السير في اتجاه الجزائر ليصلوا بالتحديد إلى قرية يا نصالح .. وتزوج جدهم بامرأة من الطوارق، ومنذ ذلك التاريخ الذي يعود إلى القرن السادس عشر بدأ تحول الأنصار إلى البربرية، حيث كانوا من أصل عربي ولا يتحدثون سوى اللغة العربية …) .
انتهى ما نقلته من هذه الدراسة بنصها العربي ؛حيث عثرنا عليها مكتوبة باللغة الفرنسية وقمنا بترجمتها إلى اللغة العربية من أحد مكاتب الترجمة المعتمدة في الرياض، ويلحظ الناظر فيما كتبه الباحثان ضعف ثقافتهما الإسلامية وعدم دقة بعض المعلومات الواردة، ولأن هذا في حد ذاته لا يعنينا بقدر ما تعنينا الإشارة إلى هذا التسلسل الصحيح منذ الخروج من المدينة المنورة إلى المغرب ضمن الفتوحات الإسلامية ثم إلى الأندلس ثم العودة منها بعد سقوطها إلى المغرب ثم التوغل داخل الصحراء الكبرى ثم الاستقرار بزواج امرأة طارقية …
لتتحد هذه الروايات الثلاث على هذا الأمر وتتعاضد في تأكيده مع أن الرواية الأخيرة كتبت من باحثين من غير أبناء القبيلة وممن يفترض منهم النقمة عليها لاختلاف الجنس! -وهو من عوامل التفرقة!- والدخول معهم كطرف منازع بحكم اللون فقط!! في الأحداث التي شهدتها مالي بعد سقوط الرئيس موسى تراوري بين الجنس الأسود في مالي وبالتحديد قبيلة السونغاي بمباركة وتحريض حكومة مالي برئاسة السونغاي توماني توري وبين الجنس الأبيض( العرب والطوارق) في صحراء أزواد تطور إلى المواجهة الدامية حتى تم الصلح بين الطرفين فيما عرف باتفاقية تمراست بالجزائر ، وترجع أهمية الرواية الأخيرة إلى صدورها ممن يفترض كونه عدوا والحق كما يقال : ما شهدت به الأعداء.
يتطابق ما جاء ضمن الروايات السابقة مع ما جاء في كتاب الباحث في الإدارة الفرنسية : بول مارتي في كتابه بعنوان : من عرب مالي : الأنصار ( كل إنتصر ) ، وقد سبقت الإشارة إليه وما احتواه من معلومات قيمة في ص 11-12 من هذا البحث .
ومن أحسن ما يمثل واقع الأنصار بعد خروجهم من الجزيرة العربية قول شاعرهم الأستاذ أحمد بن عبد الله الأنصاري من قصيدة له :
وقـــد عبروا نحو الصــليب مضيقه فذل الصــليب للمنـارة واضمــحــل
وقـد حمــــلوامع الكتاب حضارة تحـدثــنـا آثـارهـا وبمـا حصـل
وفي سـاحة الحمـراء أصدق شــــاهد عـلى ما بنـى أجـدادنــا وبنـى الأول
وإذغربت شمس العروبة واختفت ترحل جدِّي نحو (تمبكـت ) وانتقـــل
وعـاش بتلك البيد عيــش جـدوده مـع الغـيث فـي إرعـائه أينـما نـزل
ومع ذلك فإن عودة الأفراد إلى الجزيرة العربية حيث الحرمين الشريفين مهوى أفئدة المسلمين وموطن الرعيل الأول من الأنصار لم تنقطع منــذ ذلك الحين وحتـــى الآن . وقد لقي من وصل إلى المملكة العربية السعودية كل ترحيب لدى إخوانهم واستطاع الاندماج معهم بسهولة ووجدوا عند قادتها كل عون حيث حصل كثير منهم على الجنسية العربية السعودية ، وحصل البقية على الإقامات النظامية وفتح لهم المجال في التعليم والعمل حتى صار منهم من تخرج من الجامعات السعودية ومن على وشك التخرج الآن ومن هو في مختلف مراحل التعليم ( )، وكذلك منهم أئمة المساجد وخطباؤها ، ومعلمو القرآن وسائر العلوم فجزى الله قادة هذه البلاد كل خير ووفقهم دائما لما فيه الخير والسداد ولقي من هاجر منهم إلى ليبيا والمملكة المغربية نفس الترحيب بل عوملوا كمواطنين راجعين إلى أوطانهم فلم ينقصهم شيء ولله الحمد ولقادة وملوك هذه الدول الشكر والدعاء بأن يجزل الله لهم الأجر والثواب علىحفظهم لوصية الرسول صلى الله عليه وسلم وحق الرحم في الأنصار . والأنصار في هذه الصحراء عموما يعدّون المرجع القضائي ويعرفون في تلك الصحراء بـ ( كَلْ إِنْصَرْ) أو (كَلْ إِ نتصَرْ ) والأول نسبة إلى نصر جدّ بني الأحمر حكام غرناطة والثاني إلى المنتصر وهو لقب أغلبهم ، وإلى هذا أشار الشاعر بقوله :
وسل إذا شئت في أرجاء أندلس *** عن آل نصر وملك كان ميمونــــا
فإن عالمهم لا شك يعرفنـــــا *** وإن غرناطة لا شك تبكينــــــا
تبكي مجالس علم كان يحضرها *** من آل نصر نجوم الدهر تحسينــا
تبكي ليالي فن كان يعمرهـــا *** بالشعر والنثر أفذاذ المجيدينـــا
تبكي روائع نقش كان أبدعهــــا *** فخر الحضارة إتقانا وتزيينـــا
تبكي شواطىء أنهار جرين بها *** فإن تناسى بنو الإسلام دولتنــــا
تبكى بساتينها تبكى الرياحينـــا *** فإن حمراءنا في الغرب تطرينـــا
وسل بتمبكتومن لاقيت أين ثـوى*** مجد تليد وأين المستنيرونــــا؟
وأين صار بنو نصر وقد نزحوا *** من أرض أندلس حتى تلاقينـــا؟
فإن لقيت بني نصر لقيت بهـــــم أصل *** العروبة والإسلام مضمونــا
لقيت سعدا وقيسا وابن خيثمـــــة *** وجابرا ومعاذا وسط نادينــــا
فإن تناسى بنو الإسلام سيرتنــــا *** فأرض تمبكتو لا تنسى مغانينــا
وعد إلى أمنا أرض الجزيرة عد *** إلى الرياض وسل عنا الموالينــا
سل المربين وسط الجامعات هنا عن **** فتية من بني نصر مجدينـــا
* * * * *
وتعنـي كلمة (كل إنْصَرْ أو كَلْ إنْتَصَرْ) بلغة الطـوارق ( تماشق ) : آل الأنصار أو أهل الأنصار(1) وهم ثاني أكبر العشائر العربية بعد كنتة والبرابيش ( بنو حسان ) ومن أهم المراجع التي أوردت طرفا من أخبارهم :
1- من عرب مالي كل إنتصر (الأنصار) تأليف بول مارتي ولا زال مخطوطا باللغة الفرنسية ولم يترجم بشكل علمي حتى الآن غير أن الشيخ أحمدبن عبد الله الأنصاري قام بترجمته إلى العربية من أحد مكاتب الترجمة بالرياض وأهداني نسخة من مخطوطته الفرنسية وترجمتها العربية المذكورة.
2- التوارق عرب الصحراء الكبرى للدكتور محمد سعيد القشاط .
3- من عرب مالي والنيجر : كنتة الشرقيون تأليف بول مارتي . ترجمة محمد
محمود ولد ودادي .
4- من عرب مالي : البرابيش ( بنو حسان ) لبول مارتي ترجمة محمد محمود
ولد ودادي .
5- كتاب الجوهر الثمين في أخبار صحراء الملثمين ومن يجاورهم من السوادين للشيخ محمد العتيق بن الشيخ سعد الدين السوقي .(لازال مخطوطا ولم يطبع )
6- الصحف والمجلات العربية الصادرة مابين 1990 - 1995 م وبالذات :
مجلة الوسط ، مجلة المجلة ، صحيفة الشرق الأوسط والحياة والمسلمون .وأشير هنا إلى أن الفترة التي تلت سقوط مملكة بني الأحمر في غرناطة وهجرة القبائل العربية إلى المغرب الأقصى والأدنى وحلول الأنصار بمدينة فاس المغربية، وتونس والجزائر وليبيا وموريتانيا وما تلا ذلك من انتقال بعضهم إلى صحراء تمبكتو والانشغال بالدعوة وحفر الآبار ونشر العلم وسائر ظروف الحياة الصحراوية القاسية ...
كل ذلك جعل تدوين التاريخ على هامش الأولويات وكانت ولا تزال قبيلة الأنصار تحـفظ تــاريخـهــا وتـتــوارثــه عــن الآبــاء والأجــداد عــن طريـق التواتـر والسمــاع ورغم فترة الركود هذه توجد مخطوطات لتاريخ قبيلة الأنصار وكثير منها أخذها الفرنسيون خلال الإستعمار ونقلوها إلى متاحفهم ومكتباتهم بالإضافة إلى مخطوطات أخرى لا زالت في مركز الإمام أحمد بابا للكتب والبحوث في تمبكتو وبعضها مازال محفوظا لدى القبيلة حتى الآن.
يتبع إن شاء الله ..........