أم عمارة .. نسيبة بنت كعب
نقلت هذا الموضوع حتى يتسنى لنا تذاكر فضائل الأنصاريات اللواتي كان لهن الفضل الكبير في تثبيت الاسلام ونشره، والتضحية في سيبله. ولهذا أود أن يكتب الأخرون أو ينقلوا لنا عن أمجاد أمهات الأنصار....
نسب أم عمارة وفضلها :
هي نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن ابن النجار، وهي أنصارية من بني مازن، وكنيتها أم عمارة. ولما ظهر الإسلام أسلمت وبايعت وشهدت أحداً والحديبية وخيبر وحنيناً وعمرة القضاة ويوم اليمامة، وبيعة الرضوان.
تعد أم عمارة- الصحابية الجليلة الفاضلة المجاهدة الشجاعة- شخصية نادرة بين النساء قديما وحديثا، فهي أهل للاقتداء بها؛ لما فيها من مميزات امتازت بها عن نساء عصرها وميزها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من شجاعة وصبر واحتساب الأجر من الله تعالى، إلى جانب زهدها وعبادتها وحبها الشديد لله ورسوله، فدعا لها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالفوز بالجنة، ولا يكون ذلك إلا عندما يفوز المرء برضوان الله تعالى ومن ثم رضوان أشرف الأنبياء والمرسلين- صلى الله عليه وسلم.
انتسبت إلى مدرسة النبوة وتخرجت في رحابها وكانت من السابقات إلى الإسلام وسارت قدماً تدافع عن دعوة الحق حتى أظهرها الله تعالى حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عنها: (ما التفت يميناً ولا شمالاً إلا رأيتها تقاتل دوني).
من هي هذه الصحابية المجاهدة التي سطرت في تاريخ الإسلام سطوراً لم ولن تمحى?ومن هي تلك الأم التي أعطت للنساء درساً جليلاً في الأمومة الحقة الأمومة التي تلقن مفاهيم الإسلام لأولادها وتغرس فيهم حب الجهاد? ومن هي تلك المرأة التي وهبت نفسها لله ورسوله غير مبالية بالدنيا وما فيها لأن الآخرة هي هدفها وغايتها حتى إنها قالت: (لا أبالي ما أصابني في الدنيا). إنها الصحابية نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف بن جندول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار الخزرجية المازنية المدنية الصحابية المشهورة بأم عمارة.
انتمت أم عمارة إلى قبيلة بني النجار أخوال الرسول الكريم عليه السلام وقد كانت هذه القبيلة تسكن المدينة المنورة إلى جانب قبيلة الأوس.
اشتهرت أسرة أم عمارة وعرفت بجهادها في سبيل الله ودينه ونبيه.فأما أبوها فهو كعب بن عمرو بن عوف وليس هناك إشارة على إسلامه أم لا. وأما أمها فهي الرباب بنت عبد الله بن حبيب وليس هناك إشارة على إسلامها أم لا.
وأما إخوتها فأولهم :
1- الصحابي عبد الله بن كعب المازني..
2- أخوها عبد الرحمن بن كعب بن عمرو أبو ليلى (الصحابي).
وأما أزواجها فأولهم:
1- زيد بن عاصم بن كعب بن فندر الذي تزوجها قبل الإسلام.
2- زوجها غزية بن عمرو بن عطية الأنصاري المازني الخزرجي.
وأما أولادها فهم:
1- ابنها عبد الله بن زيد بن عاصم المازني من أفضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي قتل مسيلمة الكذاب, وقتله رضي الله عنه يوم الحرة حين اندلعت الفتنة.
2- ابنها الشهيد حبيب بن زيد بن عاصم الذي شهد العقبة وأحد والخندق, مع رسول الله والذي قتله مسيلمة الكذاب حينما بعثه رسول الله رسولاً إليه .
3- ولدها حمزة بن غزية بن عمرو الذي شهد أحداً مع أبيه ثم لحق بركب الشهادة يوم جسر أبي عبيد في معركة للمسلمين مع الفرس .
4- وأما ولدها الرابع فهو الصحابي تميم بن غزية بن عمرو.
5- ابنتها خولة ابنة غزية, ولم يذكر المؤرخون عنها شيئا.ً
بعد إسلامها عُرفت أم عمارة بجهادها وبسالتها التي لا يعادلها اليوم عشرات الرجال في طاقتها وحماستها واستعدادها للبذل من غير تردد وتجلت شجاعتها في المواقف التالية: ففي غزوة أحد اشتغلت أم عمارة في أول النهار بسقاية الجرحى والعطشى وتمريضهم. وعند انهزام المسلمين لم تتراجع أو تهرب أو تخاف بل وقفت كأفضل مقاتل تدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف والقوس ولنستمع لما تحدثنا به تلك الصحابية المجاهدة عن مشاركتها في الجهاد في تلك الغزوة.
(لما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت أباشر القتال وأدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف وأرمي بالقوس حتى خَلصَت إليَّ الجراح, قالت: أم سعد فرأيت على كتفها جرحاً له غور أجوف فقلت: يا أم عمارة من أصابك هذا? قالت: أقبل ابن قمثية وقد ولى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصيح دلوني على محمد فلا نجوت إن نجا فاعترض له مصعب بن عمير وأناس معه فكنت فيهم فضربني هذه الضربة ولقد ضربته على ذلك ضربات ولكن عدو الله كان عليه درعان).
وفي ذلك الوقت كان رسول الله يراقب الموقف ويقول معجباً بصنيعها (لمقامُ نسيبة بنت كعب اليوم خيرٌ من مقام فلان وفلان). شاركت أم عمارة أيضاً في غزوة خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي آخر سنة ست للهجرة جرى صلح الحديبية بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وقريش وشهدت أم عمارة هذا الصلح, الذي اشترطت به قريش على لسان سفيرها سهيل بن عمرو على أن لا يدخل محمد وأصحابه مكة في عامهم هذا حتى لا يحدث العرب أن محمداً دخل البيت عنوة.
وفي ربيع الأول سنة اثنتي عشرة للهجرة وبعد أن لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى أعلن أبو بكر الصديق خليفته عن نيته في حرب المرتدين فطلبت منه أم عمارة أن تكون في عداد المشاركين في الحرب كيف لا تشارك وهي عميدة الأسرة المجاهدة المؤمنة الصابرة وكيف لا تشارك في حروب الردة وقد حانت ساعة الانتقام من قاتل ابنها مسيلمة الكذاب الذي قتل حبيب بن زيد ولدها رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه, ولم يكتف بقتله فقد قطعه إرباً ورماه في النار.
وتحت قيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه انضمت أم عمارة إلى جيش المسلمين تقاتل أعداء الله ومعها ابنها عبد الله.
استبسلت أم عمارة في معركة اليمامة أيما استبسال وجرحت يومئذ أحد عشر جرحاً ما بين ضربة وطعنة وبترت يدها أيضاً, لكن عاطفة الجهاد التي تنبع منها وعاطفة الأمومة التي تتدفق منها دفعتها من جديد للقتال مستذكرة جهادها مع النبي ومستذكرة شهادة ابنها حبيب بن زيد.
كانت معركة اليمامة آخر المعارك التي حضرتها أم عمارة رضي الله عنها وشاركت بها فكانت حلقة جديدة في حياتها تضاف إلى مواقفها العظيمة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أم عمـــارة: من المبشرين بالجنــة:
لما أقبل ابن قميئة- لعنه الله- يريد قتل النبي- صلى الله عليه وسلم- كانت أم عمارة ممن اعترض له، فضربها على عاتقها ضربة صارت لها فيما بعد ذلك غورٌ أجوف، وضربته هي ضربات فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: لمُقام نسيبة بنت كعب اليوم خير من مُقام فلان وفلان. وقال: "ما التفت يميناً ولا شمالاً إلا وأنا أراها تقاتل دوني" . وقال لابنها عبد الله بن زيد:" بارك الله عليكم من أهل بيت؛ مقام أمك خيرٌ من مقام فلان وفلان، ومقام رَيبك- أي زوج أُمه- خيرٌ من مقام فلان وفلان، ومقامك خيرٌ من مقام فلان وفلان، رحمكم الله أهل بيت"؛ قالت أم عمارة:" أدعُ الله أن نُرافقك في الجنة؛ فقال رسول : اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة؛ فقالت: ما أُبالي ما أصابني من الدنيا. اللهم اجمعنا وإياهم في الجنة، اللهم آمين.
وفي عام 13هـ ي ما يقارب 634 م، لحقت أم عمارة بالرفيق الأعلى، ورقدت تلك المجاهدة الباسلة حيث يليق بجهادها في جنة الخلد مع الذين وجوههم ناضرة وإلى ربها ناظرة.