بقلم: جميل محمد علي فارسي - شيخ الجواهرجية بجدة
المجتمعات مثل الكائنات الحية تنمو وتقوى وتهرم. وهي كالطفل إن خفت عليه من كل أمر غريب وكل داء بسيط ينشأ مهزوز الشخصية عديم المناعة معانياً طوال حياته.
إن التغيرات الاجتماعية التي اجتاحت العالم في الثلاثين عاماً الماضية فاقت ما حدث خلال قرون.
لذا فالمجتمع الذكي هو الذي يستطيع أن يتواكب مع متغيرات العالم ويستفيد منها.
إن مؤسسات المجتمع المدني ذات أهمية قصوى لبقاء المجتمع وهي سلاحه لمواجه التحديات والأزمات. وهي تستقطب الشباب وتوجه طاقاتهم لخدمة مجتمعهم وتشغلهم بمعالي الأمور عن سفاسفها. فللشباب طاقة هائلة إن لم يستغلها من يعمل في العلن سيستغلهم من يعمل في الظلام, وويل للمجتمعات من الظلام وأهله.
وبينما يعتقد البعض أنها معارضة للحكومات نجد أنها في الواقع معينه لها، بل هي يدها اليمنى لحل مشاكل المجتمع. فالمجتمعات يمكن أن تدير شؤونها الصغيرة بنفسها وتعطي بذلك الوقت الكافي للحكومات للاهتمام بالتحديات العالمية التي تتفاقم يوماً بعد يوم.
هي في الغرب تصل إلى مئات الألوف في الدولة الواحدة, بينما نحن أولى منهم بذلك لسببين. الأول أن ديننا يحثنا على الاهتمام بالمجتمع، بل نجد حديث سيد البشر صلى الله عليه وسلم يقول "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم". والثاني أن مؤسسات المجتمع المدني هي صورة عملانية من شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فبعض المسلمين يعتقد أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون في علاقة العبد بربه بينما الأجدى من ذلك والأنفع أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في علاقة الأمة بربها.
إن المحظورات السياسية التي كانت واقعاً من الخمسينات إلى التسعينات انتهت تماماً لذا فإن أي مجتمع ممكن أن تنمو فيه النقابات والاتحادات بأنواعها دون خطر سياسي يذكر.
أما النوع الآخر من مؤسسات المجتمع المدني من جمعيات وخلافه فهذه يجب أن يخضع إنشاؤها للإشهار والإعلان وليس للاستئذان. فلو مثلاً عشرة أشخاص ساءهم وضع الأيتام في مجتمع ما أو وضع المطلقات أو الأرامل فارتأوا أن يتعاونوا في تعريف المجتمع بالمشكلة وحث المجتمع على تقديم التعليم أو العون لهذه الفئات فلماذا عليهم أن يستأذنوا جهة ما؟. أي جهة هي أدرى منهم بهدفهم؟
إن عليهم أن يشهروا عملهم ذلك بأن يعلنوا أسماء المؤسسين وعنوان المقر واسم المتحدث باسمهم حتى لا تبقى أي فئة في المجتمع تعمل في الظلام. كذا الأمر في مجموعة آمنت أن إعطاء الحقوق حق وإغاثة الملهوف واجب أو نذرت نفسها لمواجهة الاحتكار أو رفع الظلم أو مواجهة استغلال بعض التجار أو من هم أسوأ. أو مجموعة ساءها وضع الإعلانات التلفزيونية وارتأت أن تقوم على مخاطبة المعلنين لحماية المجتمع، فلماذا عليهم أن يستأذنوا جهة ما؟ تأذن لهذا وتمنع ذاك.
فالقاعدة في الدول الواثقة الخطى إن كل عمل اجتماعي علني مسموح إلا ما منع وليس كل عمل ممنوعاً إلا ماسمح به. يجب أن لايكون في المجتمع أي جهة توصي لنفسها الحق إن تمنح الإذن لفئات المجتمع في خدمة بعضها البعض خصوصاً أن من يضحي بوقته وماله لخدمه المجتمع إنما يعالج التشوهات الاجتماعية التي يخلقها البعض الأخر ممن أعمى الله بصيرته بأنانيته وطمعه واستئثاره.
والإشهار أمر في غاية الأهمية في المجتمعات فهو ضمانتها ضد العمل الظلامي, أما حرية الحركة فهي ضمانتها ضد الاحتقان والتوتر. وكما أن الحرية والعلانية هما جناحان للمجتمعات للتحليق نحو السلم والتقدم والرخاء, فإن الوصاية على العمل الاجتماعي هي مقتله.
أخيرا أقول إن من يقدم وقته للعمل الاجتماعي لا يلزمه استئذان؟ كيف يعطى له إذناً ولديه ما هو أهم من الإذن؟ لديه شهادة من خير البشر صلي الله عليه وسلم حيث قال "خير الناس انفعهم للناس" .