ارباح الفوركس - الدرس (1) كورس الفوركس المتكامل - ايزى فوركس (اخر مشاركة : برنس الفوركس - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          عملات فوركس اليوم - الباوند دولار (اخر مشاركة : شيماء حسين - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          النفط الخام – وتطلعات لقمة يوم الاربعاء (اخر مشاركة : شيماء حسين - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          اخبار العملات اليوم من مسار فوركس - اليورو دولار (اخر مشاركة : شيماء حسين - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          المحفظة المجمعة الامنة l شركة HDFX (اخر مشاركة : اتش دي افكس - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          مجلة رائعة فى مجا الصور و تكنولوجيا شاهد (اخر مشاركة : ماازن معاذ - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          من لم يسلم على من اقترف ذنبا , ولم يرد سلامه, حتى تتبين توبته, والى متى تتبين توبته (اخر مشاركة : نيرة - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          تداولات الذهب اليوم (اخر مشاركة : شيماء حسين - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          اليورو دولار – يسجل تراجعا ليوم الاثنين نتيجة لأزمة اليونان (اخر مشاركة : شيماء حسين - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          توصيات فوركس wasetcapital (اخر مشاركة : سمارت تريدر - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »         

منتديات الأنصار 
 عدد الضغطات  : 1210
:: مساحة إعلانية ::


   
 
العودة   -= منتديات شبكة الأنصار =- > ¤©§][§©¤][ سقيـفة الأدب ][¤©§][§©¤ > حـدائـق الأدب
 
   

حـدائـق الأدب يهتم بكل منـقـول من:
شعر أو قصة أو مقالة أو خاطرة,في رياض الأدب.

إضافة رد
   
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 27-02-2008, 08:58 PM   المشاركة رقم: 1 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مشرف قسم قبائل الأنصار وعوائلهم
الرتبة:

البيانات
التسجيل: 4 / 10 / 2007
العضوية: 475
المشاركات: 179 [+]
بمعدل : 0.11 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 5
نقاط التقييم: 10
جهاد ابو غرابه is on a distinguished road

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جهاد ابو غرابه غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : حـدائـق الأدب
افتراضي صورة الطبيعة في الشعر الأندلسي بدولة بني الأحمر

صورة الطبيعة في الشعر الأندلسي
بقلم الدكتور: بنعيسى بويوزان


الحلقة الأولى

إنّ الحديث عن الطبيعة في الشعر الأندلسي قد استنفد كثيرًا من جهد الدارسين للأدب الأندلسي من الفتح إلى السقوط، بحيث لا تكاد تخلو دراسة أو بحث عن هذا الأدب إلا وخصص جزءًا من بحثه أو فصلاً من دراسته للحديث عن الطبيعة في هذا الجزء المفقود من العالم الإسلامي؛ إلاّ أنّ المتتبع لظواهر وقضايا الشعر الأندلسي على امتداد حقبه وعصوره المختلفة، يلاحظ تحوّلاً بيّنًا في طريقة حديث الشعراء الأندلسيين على عهد بني الأحمر عن الطبيعة وعناصرها، وفي كيفية استحضارهم لدلالاتها المتنوعة في أشعارهم، حتى ليُخيّل للدارس لأدب هذه الحقبة والشعر منه بخاصة، أنّ نظرة الشعراء -وبدافع من الظروف الثقافية والسياسية والعسكرية التي كانت تعيشها الأندلس قبيل السقوط والوداع الأخير لدار الإسلام- قد تغيّرت تغيّرًا جذريًّا في النظر إلى الواقع والمجتمع وإلى الحياة بوجه عامّ.
وأحبّ أن أشير منذ البداية إلى أنّ حديثي في هذا البحث عن الطبيعة، لا يدخل في إطار الحديث المعهود عنها، بحيث أتتبع وصف الشعراء للرياض والبساتين ومجالس الأنس فيها وما إلى ذلك مما كان شائعًا في مراحل معيّنة من تاريخ الأندلس(1)، وإنما أريد أن أنحو فيه منحى خاصًّا له ارتباط وثيق بحالة الأندلس وهي تعيش مراحلها الأخيرة في ظل الإسلام، بما هي حالة قلق وتوجس ومعاناة حذر السقوط؛ مما حمل معه شعورًا آخر نحو الطبيعة، لأنها هي بنفسها قد تغيّرت، إذ لم تعد رياض تجوال وسهر وسمر، ولم تعد أنهارها أنهارًا، ولا الأطيار أطيارًا في عيون الشعراء.
ومن ثم لم تعد الأحكام التي صدرت على شعر الطبيعة بالأندلس في أبحاث كثير من الدارسين عربًا ومستشرقين، أحكامًا صالحة تنسحب على الشعر الأندلسي كله أوله وآخره دون تمييز بين مراحله المختلفة بخصائصها وسماتها، فلا يمكن التسليم بالرأي القائل: "والخلاصة، أنّ وصف الطبيعة في الأندلس كان على الغالب الأعم شغفًا بمحاسنها وتصويرًا حسيًّا لمباهجها، تموج به بين حين وآخر خفقة من حياة، ودفقة من عاطفة صادقة"(2).
وجلّ من عرّج على دراسة الطبيعة في هذا الشعر خلص إلى ما خلص إليه هذا الباحث، أو إلى خلاصة قريبة منها. ولكن إذا كانت هذه الأحكام تصدق على شعر مرحلة معيّنة من مسيرة الشعر الأندلسي الطويلة، فإنها لا تصدق بالضرورة على شعر كل مراحله. ولعل إبداع هذه المرحلة التي نتحدّث عنها خير مثال على ذلك، فقد انطبع شعرها بطابع خاص يشذّ عن مثل تلك الأحكام.
صحيح أنّ شعراء بني الأحمر طالما تغنّوا بالنواوير المختلفة التي زيّنت جنان قصور الحمراء ورياض غرناطة التي اشتهرت بها من دون سائر المدن التي بقيت بأيدي المسلمين على عهد بني الأحمر، حتى إنّ ابن بطوطة قال عنها في رحلته "وخارجها لا نظير له في بلاد الدنيا"(3). وصحيح أيضًا أنّ هؤلاء الشعراء ذهبوا في التفنن في ذلك الوصف مذاهب شتى، إلا أنّ المتمعّن في هذا الوصف وفي دلالات الصور التي صُبّ فيها، سيجد أنها تنطوي على إحساس خاص، إحساس بالقلق والخوف على هذه الطبيعة الخلابة من أن تنفلت من أيدي المسلمين فيستمتع بها غيرهم، لأنها غرس غرسوه طوال القرون الماضية، فلا يحق أن يقطفه النصارى، ويأخذوه ناضجًا مكتملاً على طبق من ذهب.
لهذا فإنّ شعراء بني الأحمر صوّروا الطبيعة تصويرًا يتماشى والظروف السياسية والعسكرية التي كانت تعيشها الأندلس، وكأنهم بذلك يريدون أن يكشفوا عن الوجه الآخر للطبيعة الأندلسية، وجه يؤثر ويتأثر، وينفعل ويتفاعل، يقاتل ويقتل، وينشرح لنصر، بقدر ما يتجهّم لهزيمة. ومن ثم، فقد تحوّل كل شيء في الطبيعة الأندلسية، سماؤها وأرضها وأشجارها وأنهارها وورودها، ليصبح سلاحًا يجاهد ضد الروم، وكأنّ حسّ التحدّي من أجل البقاء لم يعد مقصورًا على الإنسان وحده، وإنما تسرّب إلى وردة حمراء في غصن، أو نجمة متوهّجة في السماء.
فقد قال أبو المطرف بن عميرة المخزومي في أبياته الشهيرة:
ولأرضِ أندلـسٍ إليكَ بِحالهـا
سقِمَـتْ بِعُبّادِ المسيـحِ وإنها
رُحماكَ فيهـا من أخيـذَةِ أَذْؤُبٍ
وبِفَوْتِهـا يَقْوَى القياسُ فَسُـق إلى شكوى الهشيمِ إلى السحابِ الممطِرِ
في أن تكونَ مسيحَها لا تَمْتَرِي
يُزْرِي بقسوتِهـا زئيرُ القَسْوَرِ
إِبْطالِـهِ نصَّ الجِيـادِ الضُّمَّرِ(4)
فأرض الأندلس عطشى، وبها نزوع نحو السقيا نزوغ الهشيم إلى السحاب الممطر؛ ولكن الشاعر حدّد نوع المطر الذي تهفو إليه نفس الأندلس، إنه: "الجيادُ الضمَّرُ"، كما حدّد نوع القحط الذي ابتليت به، وهو قوله: "سقمت بعباد المسيح". مما يعني أنّ الأرض التي ستسقيها "الجياد الضمَّر" لن يكون نباتها الورد والغصن الرطيب، وإنما سيكون نباتًا من طينة أخرى، يتماشى مع نوع السقيا الذي سقيت به، بقدر ما يتماشى مع نوع القحط الذي اجتاحها؛ وهذا هو النبات الذي تشكلت منه الطبيعة في مخيلة شعراء بني الأحمر، ودأبوا على تصويره في أشعارهم، يقول ابن الخطيب:
وإن أنت في روض الجهاد غرسته تبسّم عن زهر الفُتوحِ افتتاحُه(5)
فالروض عند الشاعر ليس هو الروض المعتاد، وإنما هو روض ملحمي يعكس -كما قلنا- المرحلة الصعبة التي كانت تعيشها الأندلس آنذاك، إنه "روض الجهاد"، ويتفتح عن زهر ليس ككل الزهور، وإنما هو "زهر الفتوح"، ويسقى بمطر، ولكنه مطر من نوع آخر يحدده ابن الخطيب في قوله:
وأتـاح أندلسًـا بحدِّ حُسامِـه قَسْرًا فأحيا الأرضَ بعد مواتها(6)
فهو مطر يسيل على حد السيف، إنه "النجيع"، فكانت النتيجة أن أحيا الأرض بعد مواتها.
وكلام ابن الخطيب يتمّم كلام ابن عميرة قبله، فتتحوّل معه الطبيعة إلى طبيعة أخرى تنفلت من حدود الحسية التي تغنَّى بها كثير ممن درس شعر الطبيعة في الأندلس فأخضعوه لأحكام عامة؛ فنحن أمام روض للجهاد، غرسه ملك نذر نفسه للجهاد -وهو تعبير تردّد كثيرًا على ألسنة الشعراء على هذا العهد في قصائدهم التي مدحوا فيها ملوك بني الأحمر- ويزهر بالفتوحات لأنه سُقِي بدم الأعادي، فانبعثت الأندلس من جديد، ودبّت فيها نسائم الحياة بعد نكباء الموت، يقول ابن الخطيب في صورة أخرى أكثر تفصيلاً، وتشمل حتى كلام ابن عميرة:
دعتْكَ قلوبُ الناسِ إذ عمَّ جَدْبُها
فأنزَلْتَ غَيْثًا من سماءِ عَجاجَةٍ
تَهُبُّ رِيـاحُ النَّصْرِ في جنباتِهـا ولجَّ الأسى فيها وَجَلٌ التأسُّفُ
تُرى دَلْوُها شُهْبَ الأسِنَّةِ تَقْذِفُ
رُخاءً ورعدُ الطّبْلِ خلْفَكَ يقصِفُ(7)
فالناس عمّهم جدب، ولكنه ليس جدب زرع وشجر، وإنما هو جدب أسى وتأسف، تساقطت معه مدن الأندلس تساقط أوراق الشجر أيام القحط والجفاف، وتعرّت معه ديار المسلمين فأصبحت عورة، يستبيح الروم حرماتها متى شاؤوا، ويغنمون ويسبون، ويقتلون وينهبون، ولا من مصرخ ولا مغيث، إنه جدب وجودي، وليس جدبًا طبيعيًّا، ومن ثم فإنه يستدعي سقيا من سِنْخِهِ وطبيعته، فكأنّ أبا الحجاج يوسف الأول -ممدوح ابن الخطيب في هذا النص- يبدو في هذه الأبيات رجلاً ملحميًّا أو أسطوريًّا "أنزل" غيثًا ينهلُّ قَطرُه من نصول الأسنّة اللامعة لمعان الشهب، وقد نزل من سحاب غريب تكوّن من عجاج كرِّ الجياد وفَرِّها، ومن إقبال الجنود وإدبارها، ومن رعد أغرب منه، هو قصف الطبل وهو يقرع خلف الجنود.
وكل هذه الجلبة انبلجت أخيرًا عن رياح رقيقة تهبّ رخاء على الأرض التي كانت تشكو المحل والقحل، ولكنها رياح تنسجم مع صور هذه الأبيات، إنها رياح النصر.
فنحن أمام صور غريبة للأرض وللسماء معًا، لا تمتّ إلى الطبيعة المعهودة بصلة، بحيث إنّ الشاعر أضفى هذه الصور الغريبة على الأشياء المألوفة، فأصبح كل شيء غريبًا:
السحاب العجاج
الغيث نصول الرماح
الرعد الطبل
النسائم الندية بعد المطر رياح النصر بعد المعركة.
بمثل هذا، يُسقى روض الجهاد/أرض الأندلس، فتعود إليها الحياة بعد مواتها، ويحل الخصب الحقيقي محل الجدب الوجودي -إن صح هذا التعبير- بل إنّ سماء الأندلس تهمي أحيانًا بأمطار من الدماء لتسقي هذا الروض الذي رسمه ابن الخطيب، حيث يقول أستاذه ابن الجياب:
فكفّاكِ في يَوْمَيْ وغًى وسماحةٍ
يفيضُ على العافين غيثَ عوارِفٍ غمامٌ بأرجاءِ البسيطةِ مُرْهَمُ
ويَهْمِي على الأعداءِ من وَبْلِهِ دمُ(8)
فكفَّا الممدوح كلتاهما غمام، فإن كان يوم السماحة، فهي تمطر على العافين غيث عوارف، وإن كان يوم وغى، فهي تمطر على الأعداء وَبْلا من الدم. ودعنا نتخيّل مطرًا من الدماء وهي تهمع على البطاح وتسيل بها الأودية، ولنجمع هذه الصورة إلى الصور السابقة، لينجاب الحجاب عن الوجه الحقيقي للطبيعة التي أراد شعراء بني الأحمر تصويرها للتعبير عن الحياة الملطخة بالدماء، والتي عاشوها يومًا بيوم حتى لفظت الأندلس أنفاسها الأخيرة.
1- الصورة الملحمية لعناصر الطبيعة
من خلال ما سبق ترتسم في أذهاننا صور عامة للروض/أرض الجهاد/ الأندلس، وللمطر الذي يسقيه بما هو أسنّة ورماح ودماء، وللزهر الذي هو نصر وفتوح، وكلها عناصر موازية للطبيعة الحقيقية بما فيها من أرض ومطر وزهر. وكأن الشعراء بذلك يطوون سجلّ مرحلة من مراحل الطبيعة بالأندلس ويفتحون آخر؛ فقد ولّى عهد الحديث عن حمامة البان، وأريج الخيري والنيلوفر والياسمين، والأنهار والطلال؛ ليحل محله الحديث عن نفس العناصر ولكن بطريقة أخرى، لأنها اكتست بكساء آخر ودّعتْ من خلاله زمن السلم والأمان لتستقبل زمن الحرب والصراع، لتستنفر بذلك الأندلس كل عناصرها لتتحوّل إلى جنود تقاتل وتجاهد ضد المحتل والقحط الذي هو قشتالة التي لا تبقي ولا تذر. يقول أبو البقاء الرندي مادحًا مؤسس الدولة النصرية:
كأنّ راحتَه رَوْضٌ ولا زَهَرٌ
مِنْ أصفرٍ حُبُّهُ للمجدِ أَنْحَلَهُ
أخُو الرُّدَيْنِيِّ مِن شكلٍ ومَكْرُمَةٍ
وأبيضٍ صِيغَ من ماءٍ ومن لهبِ
ماضِي العِذَارِ يَهَابُ الغُمْرُ صَوْلَتَهُ
أبهى من الوَصْلِ بعد الهَجْرِ مَنْظَرُهُ
وأسْمَـر ظنّ ماءً كلَّ سابِغَـةٍ
هامَ الكُمَـاةُ به حُبًّا ولا عَجَبٌ غيرَ اليراعِ بها والبِيضِ والأسَلِ
فلو يراهُ الهوى ما شاء لم يَحُلِ
وربّمـا طالهُ فِعْـلاَ ولم يَطُلِ
على اعتِمَالٍ فلم يَجْمَدْ ولم يَسَلِ
كأنمـا هو مطبوعٌ من الأجَـلِ
حُسْنًا وأقْطَعُ من بينٍ على مَلَلِ
فحاصَ كالأَيْمِ يستسقِي من النَّهَلِ
منْ لوعـةٍ بِمَلِيحِ القَدِّ مُعْتَدِلِ(9)
فالشاعر يقيس راحة الملك على الروض كما يتصوره، وكما يريده أن يكون؛ لأنّ المرحلة لا تريد سواه، فهي تحتاج إلى روض بدون زهر؛ لأنّ الدولة النصرية في مرحلة التأسيس والزرع، أمّا مرحلة القطف والجني فستأتي من بعد، وهذا ما عبّر عنه ابن الخطيب سابقًا حين صوّر الزهر فتوحًا.
فكف السلطان -كما يتخيلها أبو البقاء الرندي- روض لا ينبت إلا عناصر ثلاثة: الأقلام والسيوف والرماح. وحتى القلم عند التفصيل شبهه الشاعر بالرمح القويم الأصم، لأنه شبيهه شكلاً ومكرمة، بل إنّ فعل القلم قد يتجاوز فعل الرمح على قِصَرِه. وأمّا السيف فهو سليل ماء ولهب، حتى إذا استوى بجانبيه الماضيين حدّ الآجال بحدِّهِ، وليس هذا فحسب، وإنما هو في منظره أبهى من الوصل غِبَّ هجْرٍ طويل، بينما حدّه أقطعُ وأقتلُ من هَجْرٍ بعد وصْلٍ لذيذ. أمّا الرمح فإنّ به من الأُوَامِ ما جعله يتخيّل كل درع لامعة مَنْهَلَ ماء لا يلبث أن يغشاها، ليروي غُلّته كالأفعى وهي تنساب إلى جداول المياه طلبًا للريّ، فلا عجب إن هام الكماة بهذا الرمح فهو مليح قَدًّا واعتدالاً، وكل ذي قَدٍّ معتدل ووجه مليح، حريٍّ بهذا الهيام.
فالشاعر يمزج العواطف الإنسانية بلمسات عسكرية، بل إنّ الأولى تترتب عن الثانية، لأنّ الجو المخيّم آنذاك على الأندلس هو جوّ عسكريّ حربيّ لا مجال فيه إلا للرماح وللسيوف وهي أزهار الرياض ونفح طيبها، يقول الرندي أيضًا:
وكتيبةٍ بالدارِعِينَ كثيفةٍ
رَوْضُ المنايا قُضْبُها السُّمُرُ التي
فيها الكُماةُ بنو الكُماةِ كأنّهُمْ
مُتَهَلِّلينَ لدى الصّياحِ كأنما
مِن كلِّ لَيْثٍ فوق برقٍ خاطِفِ
من كلِّ مـاضٍ يَنْتَضِيهِ مِثْلُهُ
لبِسُوا القلوبَ على الدروعِ وأشرعوا
وتقدّمُوا ولهم على أعدائِهِـمْ
فارتاعَ ناقـوسٌ لِخَلْعِ لسـانِهِ
ثم انْثَنَـوْا عنه وعـن عُبّـادِهِ جرَّتْ خُيُولَ الجَحْفَلِ الجَرَّارِ
من فوقِها الرّاياتُ كالأزهارِ
أُسْدُ الشّرَى بين القَنا الخطّارِ
خُلِقَتْ وُجُوهُهُمْ من الأقمارِ
بيمينه قَـدَرٌ من الأقـدارِ
فَيَصُبُّ آجـالاً على الأعمارِ
بِأَكُفِّهِمْ نـارًا لأهلِ النـارِ
حَنَقُ العِـدَا وحمِيَّةُ الأنصارِ
وبكى الصليبُ لِذِلَّةِ الكُفَّارِ
وقد اصبحوا خبرًا من الأخبار(10)
فالشاعر يضع أمامنا صورتين: صورة الروض الحقيق بكثافة نباته وشجره وزهره، وهي صور ملغاة، لأنها ظل يتبادر إلى أذهاننا فقط من خلال تركيزه على الصورة الأخرى التي هي صورة الكتيبة بكثافتها، وكثافة رماحها وبنودها، وهي الصورة التي أراد الشاعر إيصالها إلى المتلقّي؛ لأنّ حال الأندلس يقتضيها ويستدعيها، وعليها يترتّب القسم الثاني من النص.
فإذا كانت صورة الروض الظلّ -التي نقيس عليها صورة الكتيبة- مجالاً للنـزهة والمتعة والاستجمام، فإنّ صورة روض المنايا بنباته القنا، وبنوده الأزهار، مجال للدماء والموت. وهذا يعني أنّ أديم الأندلس في عين الشاعر تحوّل كله إلى ساحة للمعركة من أجل البقاء: فالأشجار تحوّلت إلى رماح، والأزهار إلى بنود، والناس إلى أُسُود، إنها حديقة موت أو روض منايا، لها حنق كحنق العدا، وحمية كحمية الأنصار، ولا هدف لها إلا بعث الحياة في جسد الأندلس من خلال القضاء على قشتالة؛ فكانت النتيجة أن ثُلَّتْ عروش الكفر، وارتفع الأذان، وخرس الناقوس، وعزّ دين الله، وذلّ الصليب.
فالأندلس في عين الشاعر لم تعد مجالاً للّذة والمتعة -كما أسلفت- وإنما فرض عليها القدر أن تكون عنصرًا مشاركًا في الحرب، وعناصره المختلفة جنود ضمن كتائب المسلمين، وأصبح لكل عنصر من هذه العناصر التي طالما أسال الشعراء مدادهم في وصف بهائها، وظيفة تصبّ كلها في وادي الموت، يقول ابن الخطيب:
سَحَابٌ إِذَا تَهْفُو بُرُوقُ صِفاحِهِ
وغِيلِ لُيُوثٍ عَابُهُ مِن سِلاَحِـهِ
وَرَوْضٍ سَقـاَهُ النَّصْرُ صَوْبَ غَمَامِهِ
فَأَغْصَانُـهُ مُلْتَفَّـةٌ مِن رِمَاحِـهِ هَمَى عَارِضٌ جَهْمٌ بِوَدْقِ نِبالِهِ
وآسَادُهُ يَوْمَ الوَغَى مِن رِجالِهِ
وَدَارَتْ عليهِ مُفْعَمَاتُ سِجَالِهِ
وَأَوْرَاقُهُ مُخْضَرَّةٌ مِن نِصَابِهِ(11)
إنّ الشاعر يجسّد الطبيعة في صورة ملحميّة تتفاعل عناصرها في حركة عسكرية وحربية ضاربة في الخيال، قبل أن تسفر عن النتيجة المتوخّاة وهي النصر؛ ومع ذلك تستمر هذه الصورة الملحميّة دون توقّف، كما يظهر من خلال التقابل بين العناصر التالية:
البروق السيوف
المطر النبال
الغاب السلاح
الرجال الأُسُود
الأغصان الرماح
الأوراق النصال
وتكتمل هذه الصورة بصورة أخرى لا تقل ملحميّة عن هذه، وقد برع فيها الشاعر، وهي قوله:
وَحَنَتْ به عُوجُ الْقِسِيِّ ضُلُوعَهَا
فَكَأَنَّمَا قُـزَحٌ حَنَتْ أَقْوَاسَـهُ تَغْتَـالُ فِيـهِ جَوَانِحًـا وَقُلُوبَا
أَيْدِي الغَمَامِ وأَمْطَرَتْ شُؤْبُوبَا(12)
وبذلك نجد أنفسنا أمام صورة وكأنها حلم، حتى بهاء قوس قزح تهاوى فيها أمام الصراع الإسلامي المسيحي في الأندلس، ليتحوّل إلى قوس تمرق منه السهام لتستقرّ في قلوب الأعداء، حتى لتبدو للناظر على بعد وكأنها شآبيب المطر تتتابع صيِّبَةً نحو الأرض.
فتظهر الطبيعة في عين الشاعر وقد تحوّلت برمّتها إلى سلاح يدافع ويقاتل
ولا أثر فيها للطبيعة الوديعة الهادئة المعهودة، وقد اشتعلت كل جنباتها بالحديد والنار حتى لكأنّ ذلك الجوّ العسكري يخيّم على المتلقِّي ذاته، ويسد عليه منافذ التفكير في أيّ شيء إلا فيه، يقول ابن فركون وقد أدلى بدلوه هو أيضًا في الموضوع ليصوّر رياض الأندلس على غرار سابقه:
تُجَرِّدُ سَيْفَ اللهِ كَفُّكَ فِي الوَغَى
وَللنَّقْعِ سُحْبٌ فَوْقَ رَوْضٍ مِنَ القَنَا كَمَا لاَحَ أَثْنَاءَ الغَمَامَةِ بَارِقُ
وَحُمْرُ الظُّبَا في جَانِبَيْهِ شَقَائِقُ(13)
فالشاعر يصوّر روضه الخاص كما تراه عينه وخياله، لا كما هو موجود في الواقع المادّي المحسوس، فهو روض تجهّمت فيه السماء وأنذرت بالمطر، ولكن البرق فيها هو سيف يوسف الثالث الذي حكم الأندلس ما بين 810 و820هـ/ 1408 و1417م، وهو يومض في الآفاق يكاد يُعشي العيون، والسحب ما هي إلاّ نقع تثيره الكتائب -كما رأينا سابقًا مع ابن الخطيب- وهي تهمّ الإمطار فوق روض نباته الرماح، وشقائق النعمان فيه نصول السيوف وقد تضرّجت بالدماء.
فابن فركون حوّل حتى جمال الروض اليانع الذي كسته شقائق النعمان إلى روض غريب له جماله الخاص، شكلته الرماح والظبا الملطخة بالدماء؛ ومع ذلك فهو يحتفي بهذا المنظر وتستحبه نفسه؛ لأنه وإن كان يبعث الرعب في النفوس، إلاّ أنه لابد منه لبقاء الأندلس، ولابد أن تألفه نفوس المسلمين وتطمئنّ إليه؛ لأنه يحمل إليهم البشرى والأمل في البقاء؛ لذلك نراه يلحّ عليها في شعره غير ما مرة، من ذلك مثلاً قوله في صورة أخرى:
إِذَا مَاجَ بَحْرُ الرَّوْعِ خَاضَتْ غَمَارَهُ
وَمَهْمَا دَجَا لَيْـلُ العَجَاجِ أَرَاكَ مِنْ
وَقَدْ أَسْمَعَتْ غُرُّ الجِيَـادِ صَهِيلَهَا
فَتَحْسِبُ أَنَّ الحَـرْبَ أَبْدَتْ حَدِيقَةً صَوَافِنُهُ تَحْكِي السَّفِينَ الْمُلَجِّجَا
مُحَيَّـاهُ صُبْحًـا لِلْهُـدَى مُتَبَلِّجَا
وَرَاقَتْ حَوَالَيْهَـا العَوَالِي تَوَشُّجَا
بِهَا القُضْبُ مُلْدًا والحَمَائِمُ هُزَّجَا(14)
فقد صارت الطبيعة الهادئة الحقيقية وليدة لهذه الطبيعة الملحميّة، ولا طريق إليها إلاّ عبر غاب من الرماح، وبحر من النجيع، وهو ما يصوّره الشاعر وقد نقل المعركة من البر إلى البحر، إلاّ أنه ليس بحرًا من المياه، وإنما هو بحر من الرعب والهلع، ومع ذلك تخوضه الخيول المسلمة، وكأنها سفن أمعنت في لجة البحر غير آبهة بموجه المتلاطم؛ إذ لا خيار لها سواه، ولأنه من هذا الرعب، ومن هذا الليل الذي دجا بفعل النقع والغبار، ينبلج الصبح، صبح الهدى الذي طال ارتقابه، حيث تخرس فيه ألسنة النواقيس ويذلّ فيه عبّاد الصليب، كما قال أبو البقاء الرندي آنفًا، ولكنه مع ذلك -يستمر ابن فركون في تصويره الغريب- فلابد من صهيل الخيل وهي تمخر عباب بحر الرَّوْعِ كما تقدّم، تحفّ بها الرماح المتشابكة بين أيدي الكماة وهم يتقدّمون نحو الموت يطلبون الشهادة تحت ظلال السيوف، وهناك تُولَدُ حديقة من رحم الحرب، هي تلك الحديقة التي افتقدها المسلمون بالأندلس بأغصانها الملد وحمامها الشادي المترنّم فوقها، فتكون بذلك الحديقة المحسوسة في الواقع الملموس، وليدة لحديقة خيالية ملحميّة تتشكّل عبر كل ما له علاقة بالحرب والسلاح.
وبالتالي فإنّ الشاعر ابن فركون -ومن خلال هذه المقطوعة- أحسّ بأنّ الطبيعة قد تغيّرت تمامًا من رياض الورد والحمائم والنسائم إلى رياض القنا والسيوف والدماء؛ لأنه من هذا التحوّل نرتقب ميلاد الحديقة الأصلية وعودتها إلى طبيعتها، ومن حدائق الموت تجنى أزاهر الحياة، وإلاّ فستضيع الأندلس وتموت بكل ما فيها.
ومن ثم لابد وأن تستمر صورة الحديقة الملحميّة، ولابد من أن تتغيّر أرض الأندلس وسماؤها، يقول ابن زمرك:
وَكَمْ ذَابِـلٍ يَهْتَزُّ فِي كَفِّ دَارِعٍ
وَكَمْ دَارِعٍ يَأْوِي إِلَى ظِلِّ رَايَةٍ
وَكَمْ رَايَةٍ حَامَتْ عَلَى فَتْحِ مَعْقِلٍ
وَنَجْمِ سِنَانٍ فِي دُجَا النَّقْعِ ثَاقِبٍ
وَسُحْبٍ قَتَامٍ بِالسِّهَامِ مُرِشَّةٍ
وَأَبْيَضَ رَقْرَاقِ الصَّفِيحِ بِنَهْرِهِ
إِذَا مَا طَفَتْ فِيهِ حُبَابُ رُؤُوسِهِمْ
وَلَمْ أَرَ مِثْلَ السَّيْفِ يَضْحَكُ فَاتِكًا
صَفِيحَةُ هِنْـدٍ بَلْ صَحِيفَةُ كَاتِبٍ فَقُلْتُ قَضِيبٌ فِي غَدِيرٍ تَأَوَّدَا
فَقُلْتُ غَدِيرٌ تَحْتَ دَوْحٍ تَسَرَّدَا
فَقُلْتُ عُقَابٌ حَوْلَ وَكْرٍ تَلَدَّدَا
إِذَا مَا خَبَا نَجْمُ السَّمَاءِ تَوَقَّدَا
إِذَا أَمْطَرَتْ نَار الحُرُوبِ تَزَيَّدَا
قَدِ اسْتَعْذَبَتْ أَهْلُ الضَّلاَلَةِ مَوْرِدَا
رَأَيْتَ لَهُ خَدًّا أَسِيلاً مُوَرَّدَا
وَيَكْسُو ثِيَابَ الفَخْرِ مَهْمَا تَجَرَّدَا
تُخَطُّ بِهَا آجَالُ مَنْ ضَلَّ وَاعْتَدَى(15)
فالشاعر يفصّل في هذه الصورة أكثر مما فصّل سابقوه ولاحقوه أيضًا، ويعدّد عناصر الطبيعة وقد تحوّلت بحرمّتها إلى أدواب حرب. ومع ذلك أضفى عليها جمالها الخاص الذي لا يترك فيه على عادته جانبًا إلاّ ولمسه بريشة خياله الخلاّب. إلاّ أنّ الملاحظ هو أنّ الصور هنا مركّبة وليست بسيطة أحادية الجانب، -كما رأينا- بحيث إنه لم يصوّر المطر سهامًا أو الأغصان رماحًا، وإنما يقابل بين صورة مركّبة من أكثر من عنصر في الطبيعة المعهودة بمعادلها في الطبيعة المخيَّلَة.
فصورة الرمح يحمله كمي بدرعه اللامعة، يبدو له غصن بانٍ في غدير ماء صاف يميل مع النسيم حيث يميل. وصورة الدارع -مرة أخرى- وهو يحمل راية، تبدو له غدير ماء رقراق يعكس تشابك أغصان الأشجار، وكأنها حلقات الدرع يمسك بعضها ببعض، وصورة الراية يحملها جندي يَكِرُّ بها ويَفِرُّ حول معقل من معاقل الروم وقد أوشك أن يفتح، تبدو له صورة عُقًابٍ يحوم حول وَكْرِه قبل النّـزول فيه، وصورة سنان الرمح في غبار المعركة، تبدو له صورة نجم ثاقب متوهّج أكثر من أيّ نجم في السماء، وصورة النقع الذي تمرق منه السهام، تبدو كالشرار المتطاير من النار؛ وكلتا الصورتين متولَِّدة من صورة المطر في الغزارة -كما رآها الشاعر-. وهنا توقّفت الصور المركَّبة ليبدأ الشاعر في تصوير السيف الذي بدا له نهرًا ماؤه عذب يَرِدُهُ أهل الضلالة، فتبدو فيه رؤوسهم المبتورة عن أجسادها مثل الحباب الذي يعلو صفحته، ثم انتقل إلى تصوير نصل السيف الملطّخ بالدماء، وكأنه نهر أحمر جار تورّد خدّه من كثرة الدماء، فهو نهر دم تتصل صورته بصورة مطر الدم التي رأيناها مع ابن الجياب سابقًا، وكأنّ شعر هذه المرحلة يأخذ بعضه برقاب بعض لتشكيل صورة كاملة للطبيعة الأندلسية الملحميّة في ذلك العهد.
ويستمر ابن زمرك وهو يصف السيف وكأنه "نَيْرُون" يتلذّذ بآلام الآخرين، فكلّما ازداد فتكًا، ازداد بهجة وانشراحًا، وكلّما تجرّد من غِمده/ثيابه، كُسِي ثياب العز والفخر، ليختم هذا كله بصورة يصوّر فيها متن السيف وكأنه صحيفة كاتب تخط فيها آجال الأعداء/أهل الضيافة.

وحتى تتوضح لنا معالم هذه الصور أكثر نجمعها على الشكل التالي:
اهتزاز رمح في كف دارع ميلان غصن في غدير ماء
دارع يحمل راية غدير تحت شجر كثيف
راية حائمة حول معقل عقاب حام حول وَكْرِهِ
نصل رمح في عجاج الحرب نجم السماء في ليل بهيم
سهام تمرق من عجاج الحرب شرار النار المترامية
سيف صقيل ملطخ بالدماء واد من الدماء
رؤوس الأعداء حباب الماء.
والملاحظ في الأبيات الثلاثة الأولى أنّ هناك تموّجًا عمد إليه الشاعر إمعانًا منه في ترسيخ الصورة المتوخّاة في ذهن المتلقِّي؛ إذ إنّ ما ختم به الشطر الأول من البيت الأول، بدأ به الشطر الأول من البيت الثاني، وما ختمه به، بدأ به الشطر الأول من البيت الثالث، على هذا النحو:
رمح دارع
دارع راية
راية عقاب
فقد كرّر "الدرع" و"الراية" كما كرّر "دُجى النقع" و"السحب القتام"، هذا فضلاً عن إسهابه في وصف السيف في الأبيات الأربعة الأخيرة من النص، وكأنه لم يكتف بما اكتفى به غيره من الشعراء، فعمد إلى التكرار حتى تتوضّح الصورة المتخيَّلَة في ذهن المتلقِّي أكثر من الصورة الحقيقية للطبيعة نفسها كما هي في الواقع الملموس.
ولنتوقّف عند نموذج آخر من الصورة المركّبة مع إبراهيم بن الحاج النميري الغرناطي حيث نلمس براعة فائقة في تخيّل الأشياء، حتى لتبدو وكأنها هي الواقع الحقيقي، يقول:












عرض البوم صور جهاد ابو غرابه   رد مع اقتباس تقرير بمشاركة سيئةتقرير بمشاركة سيئة
قديم 28-02-2008, 10:38 AM   المشاركة رقم: 2 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مشرف قسم قبائل الأنصار وعوائلهم
الرتبة:

البيانات
التسجيل: 4 / 10 / 2007
العضوية: 475
المشاركات: 179 [+]
بمعدل : 0.11 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 5
نقاط التقييم: 10
جهاد ابو غرابه is on a distinguished road

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جهاد ابو غرابه غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جهاد ابو غرابه المنتدى : حـدائـق الأدب
افتراضي

وَلَمَّا أَتَتْ أَرْضَ الْعَدُوِّ جُيُوشُهُ
وَلَمْ أَرَ إِلاَّ الْخَيْلَ صُفَّتْ صُفُوفُهَا
وَجَالَ عَلَى الآفَاقِ مُسْوَدِّ نَقْعِهَا
وَسَالَ دَمٌ فِي كُلِّ دِرْعٍ مَفَاضَةً
وَجُدِّلَتِ الأَبْطَالُ فِي كُلِّ مَعْرَكٍ
وَيَا رُبَّ يَوْمٍ خِلْتُ فِيهِ رِمَاحَهُ
وَخُيِّـلَ لِي أَنَّ السُّيُوفَ مَبَاسِمُ تَيَقَّنْتُ أَنَّ الحرْبَ ضَرْبٌ مِنَ السِّحْرِ
فَقُلْتُ عُقُودٌ قَدْ نُسِقْنَ عَلَى نَحْرِ
فَقُلْتُ طُرُوسٌ زَانَهَا الخَطُّ بِالحِبْرِ
فَقُلْتُ نَثِيرُ الوَرْدِ أُلْقِيَ فِي نَهْرِ
فَقُلْتُ نُدَامَى لَمْ يَفِقْنَ مِنَ السُّكْرِ
قُدُودَ عَذَارَى جُلْنَ فِي حُلَلٍ حُمْرِ
فَقَبَّلْتُهَا وَالْغِيدُ يَضْحَكْنَ في إِثْرِي(16)
فلكي تتوضح الصورة في ذهن المتلقِّي -فيما أعتقد- ينبغي أن يتخيلها وهي تقع على بُعد منه، وكأنه يراقبها من مكان يتيح له رؤية المشهد كله؛ لأنّ رؤية جزء دون جزء ربما أفسد الصورة الكلية.
فالشاعر منذ البداية يُعدّ المتلقِّي لتقبّل صوره واحتمالها واستنفار كافة حواسّه لتلقّيها، وذلك من خلال عبارة (الحرب ضرب من السحر)، وكأنه ينبّهه إلى أنّ ما سيطرق مسامعه لا عهد له به، لأنه أقرب إلى السحر منه إلى أيّ شيء آخر، ثم شرع في التصوير.
فالخيل في صفوفها الطويلة، وتميّز كل فرس فيها على ما يجاوره مع تناسق تامّ فيما بينها حتى شملت ساحة المعركة كلها، تبدو على بعد وكأنها عقود قد نُضدت حول جيد فتاة تنضيدًا جيّدًا حتى شغلت لبتها كلها، وبذلك يجد المتلقِّي نفسه أمام صورتين يجمع بينهما التناسق والجمال وإن فرّق بينهما الشكل والحجم، وهما: صورة صفوف الخيل على ساحة المعركة وصورة الخيوط التي عقد فيه الخرز أو الدر أو نحوهما حول النحر. والصورتان تشكلان مشهدًا ثابتًا لا تبدو عليه ملامح الحركة؛ لأنّ الشاعر صوره قبيل انطلاق المعركة، ولكن ما إن تبدأ وتنطلق الخيول منقضّة على الأعداء حتى يبدو لنا النقع المثار من جرّاء عدوها، وكأنه خطوط، والخيول قد تحوّلت إلى أقلام، تخطّ بنقعها مدادها على صفحة الأفق بعناية وتؤدة، ويبدو لنا المشهد كله على بُعد وكأن غبار الخيول فيه سطور ملأت الآفاق أو زيّنتها كما قال الشاعر.

وفجأة دخل بنا الشاعر إلى عمق المعركة ليصوّر لنا الدماء التي تفيض على الدروع، وكأنها ورد منثور على صفحة النهر. وغير خاف هنا ما في مخيّلة الشاعر من براعة في تحويل فظاعة صورة الدماء والدروع، إلى روعة المنظر في نثير الورد على النهر، مستغلاًّ بذلك اللون أكثر من سواه: حمرة الورد والدماء ولمعان الماء والدروع.
بعد هذا، انتقل بنا الشاعر إلى مشهد آخر يصوّر فيه الجثث المبعثرة على ساحة القتال في أوضاع مختلفة، وكأنها أجساد الندامى تغطّ في نوم عميق بعد ليل من السكر والعربدة.
بعد ذلك، ينتهي الشاعر من تصوير المعركة لينتقل إلى تصوير وقعها، ووقع الانتصار فيها على نفسه، بحيث بدت له الرماح بقدودها الممشوقة وكأنها عذارى بقدودها المعتدلة الجذابة، إلا أنه أضاف إلى العذارى الحلل الحمراء إمعانًا في تزيينها وتجسيد بهاء منظرها، بينما ترك الرماح عاطلة ليفسح المجال أمام المتلقِّي ليتخيّل ما يقابل لون الحلل عند العذارى، ولن تنقشع له الصورة إلا عن لون الدماء التي لطخت بها الرماح من جراء الطعن، فتتساوى الصورتان: صورة الرماح الملطخة بالدماء الحمراء، وصورة العذارى في حللها الحمر. ثم انتقل أخيرًا إلى السيوف التي خيّلت له ببياضها ونصاعتها وكأنها ثغور صافية استهوته فقبّلها انتشاء بالنصر، فلم تتمالك الغيد من ورائه أن ضحكن من توهّمه وخياله الذي نزّل السيف منـزلة إحداهن، ولا يخفى في الصورة ما يلمّح إليه الشاعر من خلال صورة تقبيل السيوف بدل النساء؛ لأنه بذلك يشير إلى أنّ التلذذ بثغور النساء ما هو إلا لذة فردية عابرة لا تدوم إلا ساعة من نهار، بينما تقبيل السيوف عبارة عن لذة أمّة بكاملها تتلذذ بالنصر الذي يفتح بارقة أمل جديدة للبقاء في الأندلس أطول زمن ممكن، وبالتالي فإنّ الشاعر أعرض عن اللذة الزائلة مع النساء، وأقبل على اللذة الباقية مع السيوف.
والأجمل في أبيات الشاعر هنا، فيما بدا لي، أمران:
الأول: أنه ترك مخيّلة المتلقِّي حرة في تتميم المشهد الذي يريد تصويره، وكأنه يشركه معه في التصوير، وهذا ما يظهر مثلاً في صورة صفوف الخيل والعقود المنضودة على النحر، والعلاقة المتبادلة بين الرماح والعذارى، والمباسم والسيوف، بحيث إنّ المتلقِّي يجد نفسه مجبرًا على تتميم ما لمّح إليه الشاعر لتكتمل لذّته بالصورة، وإلاّ فإنها ستكون ناقصة مشوّهة.
الثاني: أنه أخضع المتلقِّي لتسلسل زمني وهو يتتبّع مراحل المعركة دون أن يشعر، بمعنى أنّ المتلقِّي خضع لمنطق الزمن الشعري وتسلسله الذي يتحطم فيه المألوف، كما تتحطم فيه حدود الزمن نفسه، ذلك أنّ الأبيات صوّرت لنا أربعة مراحل، قبل أن يختمها بالخامسة المتعلقة بنفسه المنتشية بالانتصار، وهي:
1- صورة الخيل قبل المعركة، وهي صورة ثابتة لا حركة فيها.
2- صورة انطلاق الخيل مع انطلاق المعركة.
3- صورة أثناء احتدام الفريقين وجريان الدماء ضربًا بالسيوف وطعنًا بالرماح.
4- صورة انتهاء المعركة وانقشاع غبارها عن الجثث تغطي ميدان القتال.
5- صورة لسلوك الشاعر بعد الانتصار.
فهناك تسلسل في التصوير، وتسلسل في عرض مراحل المعركة، إلاّ أنّ المتلقِّي لم يشعر بهذا؛ لأنّ سحر الحرب كما قال الشاعر إضافة إلى خيال الشعر، ألهياه عن التفكير في الزمن وسرد مراحله.
وحتى تتوضح لنا معالم الصور المركّبة التي وضعها الشاعر في مقطوعته، نجمعها على الشكل التالي:
صفوف الخيل في ساحة المعركة عقود نسقت على نحر
نقع الخيول في الأفق سطور في صحيفة
سيلان الدماء على الدروع ورد منثور على النهر
جثث القتلى في المعركة جثث السكارى في الخان أو سواه
رماح مضرجة بالدماء عذارى في حلل حمر
سيوف بيضاء لامعة ثغور عذارى صافية.
والواقع أننا إذا جمعنا صور ابن الحاج هذه مع صور ابن زمرك السابقة، يتضح لنا في العمق أنها ليس فيها خروج عن المألوف، بل هي صور مطابقة للواقع في معظمها، بل إنّ صور ابن الحاج مطابقة تمامًا سواء في الصور المتعلقة بالحرب أم المتعلقة بالطبيعة، ولكن العلاقة الجامعة بينها هي التي تقدح زند الشعر، فتخرج بالمتلقِّي عن المألوف، فإذا نظرنا على صفوف الخيل في بسيط من الأرض من جهة، ونظرنا إلى عقود نسقت على جيد عذراء، نجدها صورًا عادية تمامًا. ولكن عندما تمتد خيوط الخيال بين الطرفين تثور الحرارة الشعرية وتمتزج الصورتان لتسفرا عن صورة شعرية من طينة أخرى لا علاقة لها بطبيعتهما الأصلية، وهذا ينطبق على باقي الصور في أبيات ابن الحاج، كما ينسحب على معظم الصور في أبيات ابن زمرك.
وهذا على خلاف الصور غير المركّبة في المقطّعات التي رأيناها سابقًا مع الرندي وابن الجياب وتلميذه ابن الخطيب وابن فركون ومع آخرين ممن سنراهم لاحقًا، حيث نجد أنّ الصورة تخرج من مخيلة الشاعر غريبة أصلاً في علاقتها بذاتها؛ فقد رأينا سابقًا (روض الجهاد) الذي تبتسم فيه (زهر الفتوح) مع ابن الخطيب، وكذلكم (الرماح الأغصان) و(النصال الأوراق) كما رأينا (وبل الدم) مع ابن الجياب و(روض الرماح) مع ابن فركون، ورأينا سواها من الصور التي تبدو غريبة في ذاتها.
ولكن لابد من التأكيد هنا على أننا إذا أردنا أن نلمس تلك الغرابة الممتعة، يجب أن ننظر إلى الصورة في صيغتها النهائية التي يريد الشاعر تشكيلها. صحيح أنه لابد من مراعاة مستويات التلقِّي، ولكن لابد من محاولة الارتقاء والتحليق مع الشاعر في خياله، حتى نتمكن من الاطلاع ما أمكن على الصورة التي يريد إيصالها إلينا. فمثلاً إذا نظرنا إلى (الروض) في استقلال عن (الرماح) هشّمنا الصورة، ونزعنا عنها شاعريتها، والشيء نفسه مع (الوبل) في استقلال عن (الدم)، ولكن حين ننظر إلى الطرفين ممتزجين، نتصوّر صورة أخرى مغايرة تمامًا لصورتيهما وهما منفصلتان، وهي صورة غريبة كل الغرابة: مطر من الدماء، وحديقة من رماح، وإن تشكّلت من شيئين مألوفين لدينا تمام الألفة.
وهذا كله على خلاف الصور المركّبة التي رأيناها مع ابن الحاج وابن زمرك، بحيث إنّ العلاقة المتبادلة بين الأطراف تنشأ عنها صور جميلة رائعة ولكنها ليست غريبة، بينما الصور الأخرى نجدها جميلة وغريبة في نفس الوقت. فالفارق بين الصورتين هو الفارق بين الألفة والغرابة، أمّا الجمال فكلاهما تنضح به.
وهذا مزيد من النماذج حتى تتوضح لنا الأمور أكثر، يقول أبو عبد الله محمد بن أبي عاصم القيسي:
وَكَأَنَّمَا تِلْكَ الْكَتَائِبُ رَوْضَةٌ
فَمِنَ الأَسِنَّةِ إِنْ نَظَرْتَ أَزَاهِرٌ
إِنْ أَطْلَعَتْ يَوْمًا سَمَاءَ عَجَاجَةٍ
طَلَعَتْ هُنَـاكَ مِنَ الْقِسِيِّ أَهِلَّةٌ لاَحَتْ بِهَا مِنْ حُسْنِهَا أَلْوَانُ
وَمِنَ الدُّرُوعِ هُنَالِكَ الْغُدْرَانَ
وَمِنَ الْعَـدُوِّ بِأُفْقِهَا شَيْطَانُ
تَقْضِي بِأَنَّ سِهَامَهَا شُهْبَانُ(17)
فإذا تأمّلنا هذه الأبيات نجد فيها أنّ كل عنصر من عناصر الحرب والسلاح، يقابله عنصر من عناصر الطبيعة:
الكتائب روضة
الرماح زهور
الدروع غدران
العجاج سماء
العدو شيطان
القسي أهلة
السهام شهبان
فإذا نظرنا إلى كل عنصر وهو مستقل عن الآخر ما أحسسنا بشعر ولا حتى أثره، ولكن حينما نمزج بينهما ونتخيّل تلك الحركة التي يريدها الشاعر في أبياته، نبدأ بالشعور بخيوط الغرابة تدبّ إلينا، وبالجوّ الملحميّ يخيّم حولنا، وبخاصة في الأسنّة التي تحوّلت إلى أزهار والدروع التي تحوّلت إلى غدران، فضلاً عن العجاج الذي شكّل منه الشاعر سماء مقابلة للسماء الحقيقية؛ إذ ليس فيها هلال واحد كما هو الحال في الواقع، وإنما فيها أهلّة بعدد قسي الجند، أمّ السهام فهي ليست من خشب مبري بقذاذها، وإنما هي سهام شهب لها صورتها الخاصة، وشكلها الخاص، في عالم شعري خاص.
فكل هذه العناصر الطبيعية المألوفة تحوّلت إلى عناصر أخرى لها كيانها الخاص وشكلها المتميّز عن أصولها، لم تسعف اللغة الشاعر ليعبّر عنها في لفظ واحد، فعبّر عنها بلفظين منفصلين مع قصده دلالة واحدة، يقول ابن الخطيب:
وَجَنَيْتَ غَضَّ الْفَتْحِ مِنْ وَرَقِ الظُّبَا وَالنَّصْرَ مِنْ عَرْسِ الْقَنَا المتَحَطِّمِ(18)
فهذه كلها عناصر غاية في الروعة والغرابة أيضًا: (غضُّ الفتح، ورقُ الظُّبَا، غَرْسُ القَنَا) إذ إنّ الشاعر ترك ذهن المتلقِّي مفتوحًا ليؤوّل الصورة كيف يشاء، حيث يتخيّل الفتح وكأنه وردة آس جنية ندية من ورق الأخضر ناعم يكسو الرمح في شكل غريب، كما يتخيّل النصر ثمارًا يانعة تُقطف من روض للرماح يبعث الرعب في الناظر فضلاً عن الداخل فيه. فهو عالم سحري غريب تشكّل من عناصر مألوفة ومعروفة، ولكن الصورة التي توحّد بينها لها إيقاع خاص بشكلها ولونها، مثلها مثل قول الشاعر نفسه في صورة أخرى:
مَاسَتْ غُصُونُ رِمَاحِهِ وَتَفَتَّحَتْ بِشَقَائِقِ النَّصْرِ الْعَزِيزِ بُنُودُه(19)
فنحن نتخيّل ميلانًا ما للأغصان في هبّات النسيم، كما نتخيّل ميلانًا آخر للرماح في المعارك، ولكن إذا جمعنا الطرفين في ميلان واحد، نشأت صورة أخرى لهذا الميلان الغريب، لأنه مزيج من ميلان الغصن في الرُّبى وميلان الرمح في الحرب، والشيء نفسه نلاحظه في تفتّح شقائق النعمان ببهائها كما هي في الواقع، ولكن حين نجمع بينها وبين النصر باعتباره نوعًا من الشقائق المتفتحة من بنود الحرب وأعلامها، نجد أنفسنا أمام صورة أخرى شكلاً ولونًا، وهذا شبيه بقول ابن زمرك:
وَمُعْتَـدِلٍ لَدْنِ الْقَوَامِ مُقَـوَّمٍ إِذَا أَثْمَرَ الْفَتْحَ الْجَنِيَّ تَمَيَّلاً(20)
وأحيانًا تمتد الغرابة من رصد صور لأجزاء معيّنة من الطبيعة من مطر أو سحاب وما إليهما، إلى الطبيعة كلها، إذ يصبح أديم الأرض كله ذا لون واحد: هو اللون الأحمر، فقد رأينا مطر الدم، ورأينا نهرًا من الدماء أيضًا، إلا أننا سنرى الآن أنّ البر نفسه أصبح بحرًا من الدماء، بل إنّ البحر نفسه لم يعد بحر ماء وإنما أصبح بحر دماء، وكأنّ الشعراء بذلك أرادوا أن يضعوا أرض الأندلس كلها أمام عين المتلقِّي وهي تشتعل وتضطرم بفعل المعارك بين المسلمين والمسيحيين. يقول أبو جعفر بن أبي حامد بن الحسن النباهي في مدح يوسف الثالث:
وَتَـرَاهُ أَكْثَرَ مَا يَكُـونُ تَهَلُّـلاَ
وَالْبِيضُ تُغْمَدُ فِي الهَوَادِي وَالطُّلَى
وَالبَـرُّ بَحْرٌ بِالنَّجِيـعِ تَخُوضُـهُ وَالْخَيْلُ تَمْـرَحُ وَالأَسِنَّةُ تُشْـرَعُ
وَالهـامُ تُحْصَدُ وَالسَّوَاعِـدُ تُنْزَعُ
سُفُنُ الصَّوَافِنِ كَالْعَوَاصِفِ تُسْرِعُ(21)
فيبدو البيت الأخير نتيجة مترتبة عن هول المعارك، وما يعتريها من مشاهد القتل، من سيوف تغمد في الأعناق، ورؤوس تحزّ عن أجسادها، وسواعد تنـزع من هذه الأجساد، وهذه كلها صور وإن كانت مفزعة، إلا أنّ عنصر الواقعية هو الطاغي عليها، إذ إنه يمكن أن يحدث مثل هذا في الحرب بل وأشنع منه، ولكن حين نصل إلى البر الذي أصبح بحرًا من النجيع، والخيل على ظهره سفن تسرع كالعواصف، تتغيّر معالم الصورة، لندخل معها في عالم ملحميّ متخيّل، خاصة إذا استمر المتلقِّي في تصوّر وتخيّل ما يلحق بالبحر عادة من زبد وموج وما إليهما بحيث تزداد الصورة ثراء وملحمية. وكلما أوغلنا في تخيّل تلك اللوازم بعُدْنا عن الواقع وأغرقنا في الخيال، بحيث تتحوّل معه أرض الأندلس المعهودة إلى أرض أخرى ترتعد لها الفرائص من هول المعارك.
وإذا كان أبو جعفر النباهي هنا قد حوّل بر الأندلس إلى بحر من الدماء، فإنّ ابن الخطيب حوّل بحرها إلى بحر من الدماء، لتلتقي الصورتان على صعيد واحد: الأندلس برها وبحرها دماء لا متناهية، لأنّ الصراع بين الإسلام والصليبية لا متناه أيضًا، يقول ابن الخطيب:
وَقَدَحْتَ فَوْقَ الماءِ نَارًا تَلْتَظِي
فَكَأَنَّ صَفْـحَ البَحْرِ مَدَّتْ فَوْقَـهُ وَسَفَحْتَ فَوْقَ البَحْرِ بَحرًا مِنْ دَمِ
أيدي الرِّيَاحِ مَطَارِفًا مِن عَنْدَمِ(22)
فالبحر عند الشاعر بحران: بحر من نار وبحر من الدماء، وتزداد الصورة غرابة مع الفعلين (قَدَحْتَ) و(سَفَحْتَ)، بحيث تتبادر إلى ذهن المتلقِّي شخصية الفاعل الملحمية أو الأسطورية، فتتحوّل عناصر الماء والنار والبحر إلى لعب بين يديه يتلاعب بها كيف يشاء، ومثله في ذلك مثل الرياح ولهذا أيادٍ تمدُّ بها فوق سفح البحر أردية حمراء من عندم(23)، ناهيك عن البحر نفسه وقد تحوّل كله إلى دماء قانية، إنه عالم مرعب يعكس من خلاله الشاعر صعوبة المراحل التي كانت تمر بها الأندلس وهي تصارع بكل ما فيها من أجل البقاء.
كل ما رأيناه الآن من هذه الصور الملحمية لعناصر الطبيعة الأندلسية في شعر العهد النصري طغى عليه الجانب البصري، وإن كانت لا تخلو أحيانًا من بعض الصور السمعية التي أشرنا إلى بعضها كتصوير ابن الخطيب صوت الطبل على أنه رعد. وسنحاول التركيز الآن على الصور السمعية التي لا يمكن فصلها بأيّ حال من الأحوال عن الصور البصرية؛ إذ إنّ جمال الصورة برمّتها يأتي من تكامل السمعي والبصري فيها، يقول ابن الجياب:
كَأَنَّمَا لَمْـعُ السُّيُوفِ بَـوَارِقٌ وَكَأَنَّ تَصْهَالَ الخيُولِ رُعُودُ(24)
فالشطر الأول يعكس لمعان السيوف، وقوّتها التي تبهر العيون كالبرق الخاطف، وفي الشطر الثاني يرصد الشاعر تصهال الخيول الذي يوازي في قوّته قصف الرعود، وهو يهدف من وراء ذلك كله إلى تهيئ الجو الذي ينذر بالمطر، إلا أنّ الصورة السمعية أظهر من الصورة البصرية من خلال وقع الحروف التي استعملها (كالصاد والهاء والخاء والراء والعين والدال) مما جعل صهيل الخيل أظهر من لمع السيوف، كما أنّ قصف الرعد أقوى من لمعان البرق؛ لذلك جمع بين الصهيل والقصف لقوّتهما، فتشكّل منهما صوت غريب لا هو بصهيل ولا هو بقصف لكن له من القوة ما له، تمامًا كالبرق الذي تشكّل من لمعان السيف ووميض البرق، فأسفر عن توهّج غريب يصعب التعبير عنه لغة وإن كانت تدرك تلابيبه مخيلة المتلقِّي؛ وهذا شبيه بقول يوسف الثالث:
تَخَالُ صَهِيلَ الجُـرْدِ فِيهَا رَوَاعِدَا وَمِنْ مَائِلِ المُرّانِ سَحّتْ غَمائِمُ(25)
والشاعر في هذا البيت يتمم على نحو ما بيت ابن الجياب -مع الفارق الزمني الطويل بينهما- الذي قلنا فيه قبل قليل بأنه هيأ جوًّا منذرًا بالمطر، إلا أنّ يوسف الثالث أتم الدائرة فأنزل من خياله مطرًا غريبًا غرابة الصوت الذي تمخض عن صهيل الخيل وقصف الرعود.
ثم إنّ كل الصور السابقة -وسواها كثير- رأينا فيها أنّ عجاج الحرب يتحوّل إلى سحاب ممطر بالنبال، إلا أنّ يوسف الثالث في هذه الصورة عكس الأمر فجعل المطر يسح من الرماح، وكأنه يلمح إلى مطر الدم جريًا على عادة الشعراء ممن رأيناهم سابقًا في وصف الرمح مضرّجًا بالدماء دائمًا، لتتناسب صورة الصوت الغريب الناتج عن اختلاط صهيل الخيل بقصف الرعود، مع صورة المطر الغريب الذي يسح من نصل الرمح.
وتارة تختلط الأصوات وتعلو الجلبة من كل جانب، فيسعى الشاعر إلى تصوير هذا الخليط فيجمع في أبياته صورًا صوتية وسمعية، تأخذ بيد المتلقِّي لتجرّه إلى معمعان الحرب ووطيسها، يقول يحيى بن هذيل:
بِعَيْنَيِّ بَحْرُ النَّقْعِ تَحْتَ أَسِنَّةٍ
سَمَـاءُ عَجَاجٍ وَالأَسِنَّةُ شُهْبُهَـا تُنَمْنَمُهُ وَهْنًا كما نُمْنِمَ الْبُرْدُ
وَوَقْعُ الْقَنَا رَعْدٌ إِذَا بَرَقَ الهِنْدُ(26)
فساحة المعركة بدت للشاعر وهو ينظر إليها من فوق وكأنها بحر طامٍ لا ترى منه إلا الأسنّة بارقة لطول قوائم الرماح، ثم نظر إليها مرة أخرى من تحت، فعدل عن صورة البحر، فبدا له النقع سماء وبقيت الأسنّة هي هي لامعة كالشهب ووجدها صورة مناسبة لذكر الرعد والبرق باعتبارهما من العناصر المرادفة للسماء، فشكّل من قعقعة الرماح رعدًا ومن لمعان السيوف برقًا، فعكس بذلك الجو الحربي بجلبته وحركته، ومختلف صوره.
وكأنّ ابن هذيل -ومعه سائر الشعراء- أراد بذلك استنفار كل العناصر في السماء والأرض للدفاع عن الأندلس، فعقد أواصر بين المؤتلفات منها لتشكل صورًا غريبة هدفها واحد هو الدفاع والقتال ضد جيوش قشتالة.
وقد ذهب ابن خاتمة الأنصاري أبعد من ابن هذيل، فشكّل صورًا أغرب من كل ما سبق تقريبًا، يقول:
هَوَ مَـوْرِدٌ لِلْمُعْتَفِينَ وَغُلّـَةٌ
يَنْجَابُ سَجْفُ النَّقْعِ مِنْهُ في الوَغَى
عَنْ طَلْعَةٍ كَالشَّمْسِ مِنْهَا أَشْرَقَتْ في صَـدْرِ مَنْ نَاوَاهُ لَيْسَتْ تَنْقَعُ
وَالطَّعْنُ يَخْطُبُ وَالمقَاتِلُ تَسْمَعُ
فَالرُّمْحُ يَسْجُدُ وَالصَّوَارِمُ تَرْكَعُ(27)
فالشاعر يزيح ستارًا كان حائلاً بينه وبين رؤية ممدوحه وهو يخوض المعركة، فإذا بأصوات غريبة تتناهى إلى سمعه؛ فالصوت الأول للطعن وهو يخطب، وخطابه لا يسمعه أحد إلا الْمَقَاتِل. فكل مكوّنات هاتين الصورتين مألوفة ومعروفة: (الطعن، والخطابة، والمقاتل، والسمع)، ولكن الذي يفوق التصور ويخترق المألوف هو العلاقة بينها: (الطعن يخطب) و(الْمَقَاتِل تسمع) فلو قال و(الرمح يخطب)، مثلاً، لوضح الأمر قليلاً، ولكن الصورة ستفقد بهاءها وغموضها الذي تتلذذ النفس في البحث عن كنهه، وتتشوّق إليه على نحو ما أكد قدماؤنا القدامى.
وأضاف الشاعر إلى هاتين الصورتين صورتين أخريين هما صورة الرمح وهو ساجد، والسيوف وهي راكعة، وهما عندي أقل بهاء من الصورتين السالفتين، رغم بهاء اللفظ المعبّر به؛ إذ إنه تخيّل وقوع الرمح طاعنًا على نصله كخُرُورِ المصلِّي على جبهته ساجدًا، كما تخيّل هيئة السيف حال الضرب، وكأنها استواء المصلِّي بصلبه راكعًا، لذلك بدا له الرمح ساجدًا، والسيف راكعًا. أمّا ما يمكن أن يتوهّم من أنّ الرمح سجد للملك الذي شبّهه بالشمس كما أنّ السيف قد ركع له، فهو فيما أرى مستبعد لأنّ الروح الدينية العميقة المعهودة في ابن خاتمة الأنصاري لا تطاوعه أن يذهب هذا المذهب؛ ، وغاية ما في الأمر أنه يصف ممدوحه في ميدانUفالركوع والسجود لا يكونان إلا لله الحرب طاعنًا برمحه وضاربًا بسيفه.
ودائمًا في نطاق هذه الصور الجامعة بين ما هو سمعي وما هو بصري، نضيف نصَّين لهما وقع متميّز، الأول لابن زمرك في مدح الغني بالله -وهو محمد الخامس الذي حكم الأندلس في ولايتين الأولى من 755 إلى 760هـ/ 1354-1359م، والثانية -وهي أطول من الأولى- بعد أن عاد إلى ملكه عقب الإطاحة به من طرف أخيه إسماعيل الثاني، وتمتد من 762 إلى 794هـ/ 1361-1392م- وهو يقود جيشه خارجًا إلى الجهاد والثاني لابن الخطيب في مدح أبي الحجاج يوسف الأول -حكم الأندلس من 733 إلى 755هـ/ 1333-1354م عائدًا بانتصار في إحدى معاركه ضد الروم، يقول ابن زمرك:
جِهَادٌ جَرَتْ سُفْنُ البِحَارِ بِذِكْرِهِ
فَفِي البَرِّ جَهَّزْتَ السُّيُوفَ كَأَنَّهَا
تَرَامَتْ بِهَا الآسَادُ وَهْيَ فَوَارِسٌ
إِذَا مَا عَلاَ التَّكْبِيرُ مِنْ جَنَبَاتِهَا
وَقَدْ سَـدَّ بَيْنَ الْخَافِقِينَ كَأَنَّـهُ وَوَخْدٌ لأَنْضَاءِ السُّرَى وَذَمِيلُ
بِحَارٌ بِأَمْوَاجِ الحدِيدِ تَسِيلُ
وَثَارَتْ بِهَا الْعُقْبَانُ وَهْيَ خُيُولُ
يُرَاجَعُ مِنْ غُرِّ الْجِيَادِ صَهِيلُ
أَحَمُّ أَجَشُّ المُثْقَلاَتُ هَمُولُ(28)
فالشاعر يصوّر تلك الجلبة التي يحدثها الجيش وهو يزحف نحو الوغى للقاء العدوّ، حيث تعلو زمازمه في كل الأنحاء، إلاّ أنه من الواضح أن ركّز أكثر على الإنسان والحيوان وأصواتهما؛ ففي البداية بدا له الجيش وكأنّ سيوفه بحر طامٍ أمواجه الحديد، ثم انتقل إلى الفوارس فبدت له كالأسود على متن خيول كالعقبان، ثم أسند بعد ذلك إلى كل طرف صوته، فالتكبير يعلو من أفواه الجند من كل الجنبات زيادة في الربط على القلوب وتثبيتًا لها، فضلاً عن زرع الحمية والحماس فيها، ويراجع هذا التكبيرَ صهيلُ الخيل، يراجع به بعضها بعضًا، ويكفي تخيّل كل جندي يكبّر وكل فرس تصهل، إضافة إلى أصوات أخرى تنبعث من زحف الجيش بما فيه، لتكوين صورة سمعية تقشعرّ لها الأبدان وكأنّ المعركة قامت ولم يلتق الفريقان بعد.
وإمعانًا من الشاعر في تصوير كثرة الجيش عددًا وعدة وجلبة، بدا له وكأنه سحاب أجشّ سدّ الآفاق من كل النواحي به رعد شديد القصف، فتتناسق الأصوات في الكون كله: تكبير الإنسان مع صهيل الخيل في الأرض، وقصف الرعد في السماء، فتظل بذلك الصور تتوالد من هذا الجو الملحمي في خيال المتلقِّي، ليتصوّر المشهد الذي كان الشاعر يروم إلى تصويره من خلال هذه الأبيات.
هذه أبيات ابن زمرك وهو يصف الجيش زاحفًا نحو العدوّ، أمّا ابن الخطيب أستاذه، فيصف في أبياته جيش أبي الحجاج آيبًا من ساحة المعركة منتشيًا بالنصر، فيقول:












عرض البوم صور جهاد ابو غرابه   رد مع اقتباس تقرير بمشاركة سيئةتقرير بمشاركة سيئة
قديم 28-02-2008, 10:39 AM   المشاركة رقم: 3 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مشرف قسم قبائل الأنصار وعوائلهم
الرتبة:

البيانات
التسجيل: 4 / 10 / 2007
العضوية: 475
المشاركات: 179 [+]
بمعدل : 0.11 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 5
نقاط التقييم: 10
جهاد ابو غرابه is on a distinguished road

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جهاد ابو غرابه غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جهاد ابو غرابه المنتدى : حـدائـق الأدب
افتراضي

وَرَجَعْتَ وَالنَّصْرُ الْعَزِيزُ مُصَاحِبٌ
فِي عَسْكَرٍ لَجِبٍ كَأَنَّ جُمُوعَهُ
كالبَحْـرِ إِلاّ أَنَّهُـنَّ كتَائِـبُ
فَبِكُـلِّ بَحْـرٍ رَايَـةٌ مَنْشُـورَةٌ لَكَ وَالْمَلاَئِكَةُ الكِـرَامُ قَبِيلُ
فَوْقَ الوِهَادِ إِذَا زَحَفْنَ سُيُولُ
وَالرِّيـح إِلاّ أَنَّهُـنَّ خُيُـولُ
وَبِكُلِّ غَوْرٍ مَقْنَبٌ وَرَعِيلُ(29)
فالشاعر بدوره يصوّر جلية الجيش وقد عاد منصورًا من المعركة؛ إذ إنّ جموعه في الزحف كأنها سيول، وكتائبه كالبحر وخيوله كالريح وأسنّته كالبرق وطبوله كالرعد. ولعله غير خاف ما تحمله هذه الأوصاف من جلبة وضوضاء، وقد بدأ بها الشاعر صورته باستثناء صورة الأسنّة والبرق.
فإذا نظرنا إلى صورة ابن زمرك للجيش وهو غاد، نجدها وكأنها صورة ابن الخطيب له وهو رائح، وجلبة وعددًا وعدة، وكلاهما يستمدّ الجيش عنده قوّته من الطبيعة بحيث اختار كلاهما أقوى ما فيها ليجعله طرفًا في الجند، كما يتضح من خلال ما يلي:
1- صورة ابن زمرك:
السيوف البحار
الفوارس الأُسُود
الخيول العقبان
الجيش برمّته سحاب أجشّ
2- صورة ابن الخطيب:
جموع الجيش السيول
الكتائب البحر
الخيول الريح
الأسنّة البرق
الطبول الرعد
بحيث يظهر عند الشاعرين -كما يظهر عند سواهما- أنّ الطبيعة بعناصرها جيش قائم بذاته في مقابل الجيش الحقيقي. وهذا يعني أنّ الطبيعة عند شعراء هذه المرحلة أصبحت بدورها جنديًّا ضمن جنود المسلمين، تشارك بكل عناصرها في الأرض وفي السماء في الدفاع عن الأندلس، وعن الإسلام ضد الصليبية؛ وإذا أمعنّا النظر في كل الصور السابقة، نجد أنّ الشعراء لم يفرّقوا بين العناصر الوديعة من الطبيعة أو الأليفة أو المتوحشة، فكلها أداة للحرب، وكلها تشارك إلى جانب الإنسان، ابتداء من الورد وانتهاء بالأُسُود في الأرض، إلى المطر والشهب والصواعق في السماء؛ فتشكّلت من ذلك كله صور ملحمية، رصد الشعراء أثرها المرعب حتى في نفس العدوّ، من خلال تصوير حالة التوجس والفزع التي انتابته، بل إنّ خيال ابن زمرك ذهب إلى أبعد حد، حين صوّر لنا العدوّ خائفًَا مترقبًا حتى من البرق الحقيقي أو الشهب الحقيقية في السماء؛ لأنه يتوهّم البرق سيف الممدوح والشهب رماحه، فقول:
عَدًوُّكَ قَدْ أَعْدَاهُ رُعْبُكَ بِالرَّدَى
يُقَلِّبُ تَحْتَ الخَوْفِ مُقْلَةَ سَاهِرٍ
وَقَدْ ظَنَّ أَنَّ الشُّهْبَ لَمْعُ أَسِنَّةٍ
وَإِنًَّ حُسَامَ الْبَرْقِ سَيْفُكَ مُنْتَضًى وَأَصْلاَهُ مِنْ قَبْلِ الْعَذَابِ عَذَابَا
وَيَزْجُرُ لِلَّيْلِ الْبَهِيمِ غُرَابَا
وَأَخْفَى لَهَا جُنْحُ الظَّلاَمِ حِرَابَا
يُفَارِقُ مِنْ وُطْفِ السَّحَابِ قِرَابَا(30)
فالشاعر يدخل في أغوار نفس العدوّ ليصوّر انفعالاتها وأحاسيسها؛ فالخوف أخذ منه مأخذه حتى إنه يُعذَّب عذابين: عذاب الرعب قبل وصول الممدوح بجيشه، وعذاب القتل بالطعن والضرب بعد احتدام المعركة بين الفريقين، ثم إنه لا يعرف النوم، وإن أراده ما أسعفته عينه، فقد تحوّل لديه الليل إلى عالم من الوساوس والأوهام، حتى إنه يتخيّل سواده غربانًا، وما هو بشيء إلاّ لأنّ الرعب قد بلغ منه مبلغه، وهذا يذكر بقول أبي الطيّب المتنبي يصف رعب العدوّ أيضًا، حين قال:
وَضَاقَتِ الأَرْضُ حَتَّى إِنَّ هَارِبَهُمْ إِذَا رَأَى غَيْرَ شَيْئٍ ظَنَّهُ رَجُلاَ
وقد بلغ الهلع من العدوّ عند ابن زمرك أنه إذا لاح له لمع الشهب انتفض واقشعرّ جلده؛ لأنه يتخيّلها نصول رماح أخفى الظلام الأُسُود حرابها السوداء، وهي مسددة نحوه ولا تلبث أن تُصْمِيَه. وأمّا إذا رأى وميض برق، فلا يتخيّله إلا سيف الغني بالله وقد سُلّ من غمده ليهوي به عليه.
فالذي يهمنا من هذه الصورة إضافة إلى تصويرها الدقيق لهلع العدوّ، هو الصورة الجامعة بين الرماح والشهب، والسيف والبرق؛ إذ نجد أنفسنا هنا أمام نظرتين متضادتين ومتكاملتين في نفس الوقت: نظرة معسكر المسلمين إلى الشهب والبرق، ونظرة معسكر المسيحيين إليها أيضًا. وكأنّ الفريقين وقفا وجهًا لوجه وبينهما الشهب والبرق، والمتلقِّي يتابع المشهد من بعيد.
فأمّا المسلمون فينظرون إلى السيوف والرماح على أنها شهب وبروق، إمعانًا في إضفاء طابع القوة والملحمية عليها حتى تفعل ما تفعله، وأمّا المسيحيون فينظرون إلى البرق والشهب على أنها سيوف المسلمين ورماحهم وهي مسددة نحوهم. ولتوضيح ذلك أكثر نلخص الصورتين فيما يلي:
1- عند المسلمين:
السيوف بروق
الرماح شهب
2- عند المسيحيين:
البروق سيوف
الشهب رماح
بمعنى أنّ المتخيِّل عند المسلمين هو الحقيقة عند العدوّ المسيحي، فيصيبه الهلع من جرّاء ذلك حتى إنّ حياته (تحت الخوف) دائمًا كما يرى الشاعر.
وهذه الصورة نفسها عبّر عنها ابن زمرك في أبيات أخرى ولكن من زاوية مغايرة، فقال:
وَسَلَّتْ سُيُوفًا مُذْهَبَاتٍ بُرُوقُهُ
وَقَدْ شَرَعَتْ بِيضُ النُّجُومِ أَسِنَّةً
وَقَدْ زَحَفَ الفَجْـرُ المبِينُ بِرَايَةٍ فَطَارَ لَهَا قَلْبُ الجبَانِ مِنَ الذُّعْرِ
فَبَاتَتْ نُصُـولاً مُثَقَّفَةَ السُّمْرِ
كَرَايَتِكَ الغّرَّاءِ تُعْقَُدُ بِالنَّصْرِ(31)
فهنا نجد أنّ الشاعر قد وحّد بين الرؤيتين، رؤية المسلمين ورؤية المسيحيين إلى البروق والسيوف والنجوم والرماح؛ إذ إنّ البروق تسُلُّ سيوفًا، والنجوم تُشرِع رماحًا، والنتيجة هي طيران قلب العدوّ الجبان من الذعر أولاً، والنتيجة الأكبر هي النصر الذي حققه المسلمون، والذي ربطه الشاعر، أو رمز إليه بالفجر. ولا يخفى هذا الربط المحكم بين أجزاء الصورة بما هي سلاح أو عناصر طبيعية، بحيث إنّ النتيجة تأتي كالولادة بعد مخاض، أو سعة بعد ضيق:
1- البرق السحب/الظلام 1- السيوف

2- النجوم الليل/الظـلام 2- الرماح

الفجر النصر
ولكن الجانبين عند الشاعر (البرق والنجوم ثم السيوف والرماح) جبهة واحدة لا يمكن الفصل بينهما؛ لأنه يتوخى من ذلك دلالة الاتحاد بين الطبيعة بعناصرها مع الجيوش الإسلامية وهي تقاتل في صف واحد، حتى إذا انتهت المعركة معلنة نصر المسلمين كان ذلك بمثابة انبلاج فجر منعش غِبَّ ليل طويل ثقيل. إنه الفجر المؤذن بميلاد جديد وحياة جديدة للإسلام والمسلمين بالأندلس.
لهذا نجد الشاعر يخاطب العدوّ في قصائد مختلفة بصور ملحمية غريبة تصوّر أرض الأندلس أرضًا أخرى ببرّها وبحرها، لا همّ لها سوى أن ترتوي بدماء الروم، يقول:
فَقُلْ لِعَمِيدِ الرُّومِ دُونَكَ فَارْتَقِبْ
وَشِمْ بَارِقَ السَّيْفِ اللَّمُوعِ فَفَوْقَهُ
وَلاَ تَزْجُرِ الْغِرْبَانَ فِي البَحْرِ إِنَّهَا
وَلَكِنَّهَا وَاللهُ يُنْجِزُ وَعْدَهُ
وَمُخْضَرَّةُ الأَرْجَاءِ فِي جَنَبَاتِهَا
تَرَى الدَّوْحَ مِنْهَا بِالأَسِنَّةِ مُزْهِرًا
تَبُلُّ غَلِيلَ الرُّمْحِ مِنْ مُهَجِ العِدَا
فَيَا عَجَبًـا لِلرُّمْحِ رَوَّيْتُـهُ دَمًـا طَلاَئِعَ فِيهَا لِلْمَنَايَا رَسَائِلُ
سَحَابُ قَتَامٍ تَحْتَهُ الدَّمُ سَائِلُ
سَفَائِنُ وَالبَحْرُ المذَلَّلُ حَامِلُ
جَوَارٍ بِآسَادِ الرِّجَالِ حَوَامِلُ
مَسَارِحُ تَحْمِيهَا الرِّمَاحُ الذَّوَابِلُ
إِذَا مَا سَقَتْهُ لِلسُّيُوفِ الجدَاوِلُ
إِذَا مَا كَسَتْ مِنْهَا الرِّمَاحُ غَلاَئِلُ
وَقَدْ رَاقَ مِنْهَا العَيْنَ رَيَّانُ ذَابِلُ(32)
فتبدو هذه الأبيات وكأنها خلاصة لكل ما سبق قوله عن تحوّل كل عناصر الطبيعة إلى أسلحة تدافع وتقاتل:
السيوف بروق
العجاج سحاب
المطر دماء
الغربان سفن حربية
الجنود أُسُود
الرماح زهور
السيوف جداول
جثث العدوّ ثياب الرماح
وكل هذه العناصر جعل منها الشاعر (مسارح مخضرّة) ولكنها تسقى بدماء تسيل على السيوف التي تحوّلت إلى جداول دم. وكأنّ حياة الأندلس متوقفة على دماء الروم، ولا يكتب لها الاخضرار/الاستمرار إلاّ إذا سُقِيَتْ بها، وكلما ارتوت أينعت الرماح وأزهرت بها الأدواح. وكأنّ الشاعر –ومعه شعراء بني الأحمر- يرون أنّ عهد السقيا بالمطر الحقيقي قد ولَّى ولم يبق للأندلس حاجة إليه، بقدر حاجتها إلى مطر الدماء لتتحوّل رياضها إلى مزارع للأسنّة والسيوف وآجام الأُسُود، بل حتى الطير فيها لم يعد طيرًا، فقد أصبح بدوره سيوفًا، كما قال ابن زمرك:
وَسَيْفُكَ مَهْمَا يَخْطُبُ النَّصرُ بَلْدَةً
فَلاَ يَصْطَـادُ المعَاقِـلَ وَالْعِـدَى مِنَ الكُفْرِ فِي فَتْحٍ تَقُولُ لَهُ أَجَلْ
فَسَيْفُكَ بَازٌ وَالعُدَاةُ لَهُ حَجَلْ(33)
وعند ابن فركون أصبح الطير رماحًا كما في قوله وهو جيد:
وَذَوَابِلٍ خَفَّتْ كَأَسْرَابِ الْقَطَا
لَولاَ اشْتِغَالُ سِنَانِهَا حَيْثُ النَّدَى هِيمًا تَحُومُ وَفِي النَّجِيعِ وُرُودُها
مِنْ كَفِّهِ يَهْمِي لأَوْرَقَ عُودُهَا(34)
فإذا كانت القطا العطاش تَرِد مياه الغدران الباردة، فإنها في روض الأندلس تحوّلت إلى رماح عطاش تَرِد دماء العدوّ، وبها تنمو وتورق وتتكاثر لتملأ حرابها الأرض، وتملأ نصولها السماء. ولعل صورة الطير الملحمي هذه تكتمل حين يتحوّل إلى قِسِيٍّ بعد تحوّله إلى سيوف ورماح، يقول ابن فركون أيضًا:
وَمُرْسَلٍ قَيَّدَ الأَسْمَاعَ مِنْ طَرَبٍ
تُحِلُّهُ الْقَوْسُ عِنْدَ الرَّمْيِ أَبْهَرَهَا كَأَنَّهُ طَائِـرٌ يُشْجِـي تَرَنُّمُهُ
كَأَنَّ صَدْرًا بِهِ ظَنٌّ يُرَجِّمُهُ(35)
فالسهم عند مروقه من وتر القوس يُطرِب، وتستحسن الأسماع غُنّته، وكأنه واثق من أنه سيصيب أبهر العدوّ فيرديه قتيلاً، ولكنه في غُنّته وطربه وطيرانه عند الشاعر كالطائر المترنم الشادي، وهو يطير من مكان إلى مكان.
ويظهر من هذه الصور الثلاث أنّ الطيور بدورها تحوّلت إلى سلاح من سيوف ورماح ونبال، لتكتمل بذلك الصورة الملحمية للأندلس بسمائها وأرضها وكواسرها وجوارحها وكل ما فيها، ولم يكتف الشعراء بهذا، بل جعلوا كل هذه العناصر ترتوي وتتغذى بدماء العدوُ، إيماء منهم -كما سلف الذكر- إلى كون حياة الأندلس تتوقف على موت الأعداء، كما أنّ اخضرار أرجائها واستمرارها متوقفة على الارتواء بدماء قشتالة، حينئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، وتعود الروح إلى دين الله، ويشرق وجهه شبابًا بعدما بلغ به الكبر عتيًّا. يقول محمد بن عبد الله اللوشي، وكأنه يحدد الهدف من تحوّل عناصر الطبيعة الأندلسية إلى أسلحة تدافع وتقاتل إلى جانب المسلمين في معاركهم ضد الروم:
أَجْرَيْتَ أَنْهَارَ السُّيُوفِ عَلَى ثَرَى
فَكَأَنَّهَا فَـوْقَ الْمَفَارِقِ مِنْهُـمُ
أَحْسِنْ بِهِ شَيْئًا بِهِمْ مِنْهُ رَدَى
سَجَدَتْ رُؤُوسُهُمُ لِسَيْفِكَ هَيْبَةً أَعْنَاقِهِمْ فَلَهَا الرُّؤُوسُ حَبَابُ
شَيْبٌ عَـلاَهُ لِلدِّمَاءِ خِضَابُ
وَبْوَجْهِ دِيـنِ اللهِ مِنْهُ شَبَابُ
إِذْ يَسَّرَتْهَا لِلسُّجُودِ رِقَابُ(36)
فالشاعر لم يقنع بأن جعل السيوف أنهارًا وأعناقَ العدوّ ثرى، ورؤوسَهم حبابًا يطفو على تلك الأنهار، وإنما عاد ليشبّه السيوف بالشيب لبياضها، والدماء حناءً خضبت به لِلّون الأحمر الجامع بينهما، وذلك حتى يتسنى له الجمع بين الشيب والموت للعدوّ، وبين الشباب والحياة لدين الله، لتتسق عناصر الصورة التي سخرت فيها الطبيعة مع السلام للقضاء على الكفر من أجل حياة الإسلام، وهو الهدف الذي جعله الشعراء في هذا العهد نصب أعينهم وهم يرسمون لوحة ملحمية لكل عناصر الأندلس نباتًا وحيوانًا وإنسانًا وأرضًا وسماء، يقول ابن زمرك:
وَرُبَّ نَهْرِ حُسَامٍ رَاقَ رَائِقُهُ
تَجْرِي الرُّؤُوسُ حَبَابًا فَوْقَ صَفْحَتِهِ
وَذَابِلٍ مِنْ دَمِ الكُفَّارِ مَشْرَبُهُ
وَكَمْ هِلاَلٍ لِقَوْسٍ كُلَّمَا نَبَضَتْ
أَئِمَّةُ الكُفْـرِ مَا يَمَّمْتَ سَاحَتَهَـا مَتَى تَرِدْهُ نُفُوسُ الكُفْرِ يُرْدِيهَا
وَمَا جَرَى غَيْرَ أَنَّ البَأْسَ يُجْرِيهَا
يَجْنِي الفُتُوحَ وَكَفُّ النَّصْرِ تَجْنِيهَا
تَرَى النُّجُومَ رُجُومَا فِي مَرَامِيهَا
إِلاَّ وَقَدْ زُلْزِلَتْ قَسْرًا صَيَاصِيهَا(37)
فإلحاح الشاعر على (نفوس الكفر) و(دم الكفار) و(أئمة الكفر) آت من كون الكفر والكفار معًا هدفًا لسلاح المسلمين بما فيه عناصر الطبيعة الأندلسية، إذ إنّ نفوسهم ترد من نهر هو سيف أمير المسلمين، ورؤوسهم تجري حبابًا فوق مياهه/دمائه، والرماح تشرب من دم الكفار، وتجني الفتوح من مدنهم، وهلال السماء ونجومها، رجوم تروم قلوب أئمة الكفر، وجنود المسلمين بقيادة الممدوح تزحف نحو ساحتهم، حتى إذا حلّوا بها زلزلت صياصيهم/حصونهم، وسقطت بأيدي المسلمين، ولعمري إنّ الشاعر يلمّح بهذا إلى التعبير القرآني الخلاب في مثل هذا المقام، إذا قال الله سبحانه وتعالى: ﭽﮋﮌﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔﮕ ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﭼ الأحزاب.
فالمسلمون والطبيعة الأندلسية جيش ملحمي يقذف الرعب في قلوب الكفار، يقتل فريقًا ويأسر آخر، حتى يرث المسلمون أرضهم وديارهم وأموالهم وتعود كلها إلى دار الإسلام كما كانت أول مرة، ليعزّ دين الله ويذل أعداء الله، ويصبحوا أذلة صاغرين ما بين شِلْوِ طاغية لشلو صليب، كما قال ابن الخطيب في إحدى قصائده، وكما قال أبو جعفر بن الحسن النباهي:
وَيَرُوقُنِي لَكَ فِي السَّمَاءِ تَأَلُّقٌ
حَتَّى أَقُولَ سُيُوفُ يُوسُفَ تُنْتَضَى وَتَوَقُّدٌ سُجُفَ الدّيَاجِي يَصْدَعُ
يُجْلَى بِهَا لَيْلُ الضَّلاَلِ وَيُدْفَعُ(38)
فالضلال ظلام عمّ سماء الأندلس وأرضها، ولن يشرق الصبح إلاّ بالسيوف التي تتحوّل إلى بروق تتوقّد وتتوهّج في قلب الظلام الحالك/الضلال، فتفجّره تفجيرًا، تتصدّع معه سجفه ليتنفّس الصبح، وتشرق الأرض بنور ربها بعدما عسعس بها الليل طويلاً.
وخلاصة هذا الأمر كله، هو أنّ شعراء عصر بني الأحمر عكفوا على تصوير الوجه الآخر من الطبيعة، هو الوجه العسكري الحربي الذي تحوّلت فيه عناصرها كلها إلى أسلحة تدافع عن ديار الإسلام والمسلمين، في جو ملحمي مرعب تُرى فيه الرياض مزارع للرماح، زهورها القنا، تخترقها جداول من دماء حبابُها رؤوس الأعداء، وطيورها سيوف ونبال ورماح، أمّا السماء فكلها سلاح؛ إذ البروق سيوف، والنجوم رماح، والشعب نبال، والهلال قوس الرمي، أمّا السحب فعجاج، والأمطار سهام، وإلاّ فدماء.
هذه هي الطبيعة في هذه المرحلة من تاريخ الأندلس، لا صلة بينها وبين الطبيعة التي كان الأندلسيون يصوّرونها في أشعارهم من قبل. ومردّ هذا التحوّل إلى الظروف التي عاشتها الأندلس في أيامها الأخيرة، ظروف جهاد وقتال ضد أعداء الأرض والإسلام والمسلمين، فتحوّلت كل عناصرها إلى أسلحة تقاتل في سبيل الله ضد أعداء الله.
(للبحث صلة)
الهوامش:
* جامعة محمد بن عبد الله، الكلية المتعددة التخصصات، تازة، فاس، المملكة المغربية.
(1) لا يكاد يخلو كتاب أو دراسة عن الشعر الأندلسي دون تخصيص باب أو فصل للحديث عن الطبيعة، راجع مثلاً: الصورة الفنية في شعر ابن دراج القسطلي الأندلسي، د. أشرف علي دعرور، مكتبة نهضة مصر، القاهرة، 1994م، ص511؛ والأدب الأندلسي من الفتح إلى سقوط الخلافة، د. أحمد هيكل، دار المعارف، ط7، 1979م، ص278؛ ومدخل إلى الأدب الأندلسي، د. توفيق طويل، دار الفكر اللبناني، ط1، 1991م، ص81؛ والأدب الأندلسي موضوعاته وفنونه، د. مصطفى الشكعة، دار العلم للملايين، ط4، 1979م، ص247؛ والنوريات في الشعر الأندلسي، مقداد رحيم، عالم الكتب، ط1، 1986م، وهو كناب مخصص كله للحديث عن شعر الطبيعة في الأندلس؛ والأدب الأندلسي في عصر الموحدين، د. حكمت الأوسي، مكتبة الخانجي، القاهرة، (د.ت) ص65؛ وفي الأدب الأندلسي، د. جودت الركابي، دار المعارف، القاهرة، 1980م، ص124.
(2) في الأدب الأندلسي، د. جودت الركابي، 134-135.
(3) رحلة ابن بطوطة، تح. علي المنتصر الكتاني، مؤسسة الرسالة، (د.ت) 2/768؛ وراجع بتفصيل الإحاطة في أخبار غرناطة، ابن الخطيب، تح. محمد عبد الله عنان، مكتبة الخانجي، ط2، القاهرة، 1973م، 1/115؛ وراجع معيار الاختيار في ذكر المعاهد والديار، تح. محمد كمال شبانة، مطبعة فضالة، 1976م، لابن الخطيب أيضًا، ففيه وصف لأربع وثلاثين مدينة أندلسية من كل النواحي في قالت فني متميّز.
(4) مذكرات ابن الحاج النميري، تح. ألفريد دوبريمار (رسالة جامعية مرقونة)، 125-126.
(5) ديوانه الذي عنوانه الصيِّب والجهام والماضي والكهام، تح. د. محمد مفتاح، دار الثقافة، الدار البيضاء، ط1، 1989م، 1/221.
(6) نفسه، 1/171.
(7) نفسه، 2/669.
(8) مختارات ابن عزيم الأندلسي، علي بن عزيم الغرناطي، تح. عبد الحميد الهرامة، الدار العربية للكتاب، 1993م، 30.
(9) أبو البقاء الرندي، رثاء الأندلس، د. محمد رضوان الداية، ط2، مكتبة سعد الدين، بيروت، 1986م، 129.
(10) الوافي في نظم القوافي، أبوالبقاء الرندي، تح. محمد الخمار الكنوني، رسالة مرقونة، 117.
(11) ديوانه، 2/485.
(12) ديوانه، 1/103؛ وراجع صورًا مختلفة للقسي والنبال شبيهة بهذه لأبي البقاء الرندي في مختارات ابن عزيم، 66 وأخرى، له أيضًا في (أبوالبقاء الرندي شاعر رثاء الأندلس) 74، ولأبي عبيد بن الحكيم في الإحاطة، 2/464؛ ولابن فركون في ديوانه، تقديم وتعليق د. محمد بنشريفة، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، ط1، 1987م، 181 و199.
(13) ديوانه، 208.
(14) نفسه، 194.
(15) ديوانه، تح. د. محمد توفيق النيفر، دار الغرب الإسلامي، ط1، 1997م، 134-135.
(16) ديوانه، جمع وتحقيق ودراسة الدكتور بنعيسى بويوزان، رسالة مرقونة، 2/371.
(17) الكتيبة الكامنة فيمن لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة، ابن الخطيب، تح. إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت، 1983م، 174، وترجمة الشاعر في المصدر نفسه، 172.
(18) ديوانه، 2/537.
(19) نفسه، 1/291.
(20) ديوانه، 52.
(21) مظهر النور الباصر، جمع أبي الحسين بن فركون، تح. محمد بنشريفة، 1991م، مطبعة النجاح الجديدة، 68.
(22) ديوانه، 2/539.
(23) شروح (العندم) عديدة منها: أنه دم الأخوين، وقيل دم الغزال، وقيل صبغ أحمر، وقيل غير ذلك، راجع لسان العرب، ابن منظور، دار صادر، 1300هـ، مادة (عندم) حرف الميم.
(24) ابن الجياب حياته وشعره، علي محمد النقراط، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان، بنغازي، ليبيا، 273؛ وراجع صورتين تشبهان صورة الشطر الأول من هذا البيت في ديوان يوسف الثالث، تحقيق وتقديم الشيخ عبد الله كنون، مكتبة الإنجلو المصرية، القاهرة، ط2، 1965م، 21؛ وابن فركون، 182 و183.
(25) ديوانه، 114؛ وراجع صورة أخرى تشبهها ضمن وصف مفصّل لجيش يوسف الثالث في نصر لابن فركون، 376.
(26) الإحاطة، 4/386؛ والكتيبة الكامنة، 76.
(27) مختارات ابن عزيم، 30؛ وملحق "القصيدة الأندلسية في القرن الثامن"، د. عبدالحميد الهرامة، وهي أطروحة لنيل دكتوراه الدولة، نسخة مرقونة، 137.
(28) ديوانه، 130؛ وراجع صورًا أخرى تشببها في ديوان، 496.
(29) ديوانه، 2/487؛ والمقنب من الخيل: ما بين الثلاثين والأربعين، وقيل زهاء ثلاثمائة.
(30) ديوانه، 252، ووطف السحاب: السحب ذات المطر الكثير، والقراب: غمد السيف.
(31) نفسه، 143-144.
(32) نفسه، 457.
(33) نفسه، 333.
(34) ديوانه، 218؛ وراجع صورة أخرى له تشبهها، 230.
(35) نفسه، 368؛ ومرسل: نعت لمنعوت محذوف هو السهم، وتقدير الكلام وسهم مرسل. والأبهر: عرق في صلب الإنسان إذا أصيب مات كتف أنفسه.
(36) نثير فرائد الجمان في نظم فحول الزمان، لابن الأحمر، دراسة وتحقيق محمد رضوان الداية، دار الثقافة، بيروت، 1967م، 155؛ وترجمة الشاعر في المصدر نفسه، 154؛ والإحاطة، 2/269؛ والكتيبة الكامنة، 175؛ والتاج المحلى في مساجلة القدح المعلّى، ضمن ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب لابن الخطيب، وفيه أيضًا: كتاب الإكليل الزاهر فيمن فصل عند نظم التاج من الجواهر، تح. محمد عبد الله عنان، مكتبة الخانجي، ط1، 1981م، 2/380؛ وأوصاف الناس في التواريخ والصلات، لابن الخطيب، تح. محمد كمال شبانة، طبع اللجنة المشتركة بين المغرب والإمارات العربية المتحدة، (د.ت)،59.
(37) ديوانه، 504؛ وراجع صورًا تشبهها في أبيات لابن فركون في ديوانه، 121 و165.
(38) مظهر النور الباصر، 67-68.












عرض البوم صور جهاد ابو غرابه   رد مع اقتباس تقرير بمشاركة سيئةتقرير بمشاركة سيئة
قديم 28-02-2008, 10:41 AM   المشاركة رقم: 4 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مشرف قسم قبائل الأنصار وعوائلهم
الرتبة:

البيانات
التسجيل: 4 / 10 / 2007
العضوية: 475
المشاركات: 179 [+]
بمعدل : 0.11 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 5
نقاط التقييم: 10
جهاد ابو غرابه is on a distinguished road

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جهاد ابو غرابه غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جهاد ابو غرابه المنتدى : حـدائـق الأدب
افتراضي

الحلقة الثانية

2- الطبيعة والانفعال:
رأينا سابقًا أن الطبيعة لدى شعراء بني نصر قد تغيرت وأخذت بعدًا ملحميًّا خارجًا عن المألوف، إذ أصبحت جنديًّا في صفوف جند المسلمين، لكن الدارس لشعر هذه المرحلة يجد أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، وإنما يجد أن الشعراء قد تجاوزوا النظر إلى الطبيعة باعتبارها طرفًا فاعلاً، إلى النظر إليها باعتبارها طرفًا منفعلاً أيضًا، تستبشر وتبتهج إذا أحرز المسلمون نصرًا ما، بقدر ما تأسف وتأسى إذا لحقت بهم هزيمة، ويعتريها الشعور نفسه سلبًا وإيجابًا كلما حل بالأندلس ما يستدعيه على هذا النحو أو ذاك، كتولِّي السلطان مقاليد الحكم وهو عازم على السير على درب الآباء والأجداد في الجهاد، أو عند مهلكه أو اغتياله، وما إلى ذلك من المناسبات التي تبدو فيها الأندلس عينًا لا تعرف الكلل وهي تراقب مصير المسلمين ليل نهار.
ويبدو أن تصوير الطبيعة على هذا النحو في شعر شعراء بني نصر قد ظهر في مرحلة مبكرة صاحبت ملوكهم الأوائل، فبعد مهلك مؤسس الدولة النصرية محمد بن الأحمر الأول 629-672هـ/1232-1273م وتولي ابنه محمد الفقيه الملك من بعده ما بين 672-701هـ/1273-1302م قال أبو البقاء الرندي:
يَا يَوْمَ سَعْدٍ كَأَنَّ الْعِيدَ عَادَ بِهِ
شَهِدْتُهُ فَرَأَيِنَا الأَرْضَ قَدْ بَهَرَتْ
وَلِلطُّبُـولِ بِـهِ خَفْـقٌ يُسَاجِلُـهُ وَالنَّاسُ فِي مَرَحٍ وَالدَّهْرُ فِي جَذَلِ
وَالشَّمْسُ قَدْ سَتَرَتْ وَجْهًا مِنَ الخَجَلِ
خَفْقُ الْبُنُـودِ على الخطِيَّةِ الذُّبُلُ(1)
فقد اهتزت الدنيا بتولي محمد الفقيه زمام الملك، إذ الناس في مرح والدهر في جذل، والأرض قد بهرت، وما إلى ذلك مما هو معهود في شعر البلاط والقصور؛ ولكن الذي يهم من هذا كله، ولم يغفل الشاعر ذكره هو ما جاء في البيت الأخير، حيث الطبول تقرع والبنود تخفق على الرماح، وكأنه عيد أخذ طابعًا عسكريًّا في الاحتفال، بحيث إنّ الجذل الذي عم الناس والدنيا والأرض/الأندلس آت أساسًا من كون الجهاد هو المهمة الأولى التي تناط بالسلطان الجديد، وأنّ سرير الملك هو سرج جواده، وساحة المعركة مقامه.
ثم إنّ الشاعر يزكي ما سبق أن خلصنا إليه من أنّ الأرض التي تحوّلت عناصرها سابقًا إلى أنواع مختلفة من السلاح، وهي تقاتل العدوّ، يُصوِّرها الشاعر منتشيةً بهذا الجندي الجديد إلى انضاف إلى صفوف المسلمين، كما انضمّت هي نفسها بما فيها إلى تلك الصفوف، يقول ابن الجياب في تعبير أكثر تفصيلاً من سابقه يخاطب أحد سلاطين بني الأحمر:
يَا قَادِمًا عَمَّتِ الدُّنْيَا بَشَائِرُهُ
وَمَرْحَبًا بِكَ مِن عِيدٍ تَحُفُّ بِهِ
قَدِمْتَ فَالخلْقُ فِي نُعْمَى وَفِي جَذَلِ
وَالأَرْضُ قَدْ لَبِسَتْ أَثْوَابَ سُنْدُسِهَا
حَاكَتْ يَدُ الغَيْثِ فِي ساحاتِهِ حُللاَ
فَلاَحَ فِيهَا مِنَ الأَنْوَارِ بَاهِرُهَا
وَقَامَ فِيهَا خَطِيبُ الطَّيْرِ مُرْتَجِلاً
مَوْشِيُّ ثَوْبٍ طَوَاهُ الدَّهْرُ آوِنَةً
فَالغُصْنُ مِنْ نَشْوَةٍ يَثْنِي مَعَاطِفَهُ
وَلِلْكِمَـامِِ انْشِقَاقٌ عَنْ أَزَاهِرِهَـا أَهْلاً بِمَقْدَمِكَ الميْمُونِ طَائِرُهُ
مِنَ السَّعَادَةِ أَجْنَادٌ تُظَافِرُهُ
أَبْدَى بِكَ البِشْرُ بَادِيهِ وَحَاضِرُهُ
وَالرَّوْضُ قَدْ بَسَمَتْ مِنْهُ أَزَاهِرُهُ
لَمَّا سَقَاهَا دِرَاكًا مِنْهُ بَاكِرُهُ
وَفَاحَ فِيهَا مِنَ النُّوَّارِ عَاطِرُهُ
وَالزَّهْرُ قَدْ رُصِّعَتْ مِنْهَا مَنَابِرُهُ
فَهَا هُوَ اليَوْمَ لِلأَبْصَارِ نَاشِرُهُ
وَالطَّيْرُ مِنْ طَرَبٍ تَشْدُو مَزَاهِرُهُ
كَمَا بَدَتْ لَكَ مِنْ خِلٍّ ضَمَائِرُهُ(2)
إنّ الطبيعة في عين الشاعر عادت إلى "طبيعتها" وهي تحتفي بقدوم السلطان، فقد عمّت الدنيا البشائر، والأرض قد لبست أثواب سندسها، كما أنّ الروض قد بسمت أزاهره وفاحت نواويره وقد سقاها الحيا، فاكتست الأرض بألوانها الزاهية، وكأنّ المطر حائك برع في تدبيج بساطها، كما أنّ الطير يتفنن في تغاريده على الأفنان المائلة المزهرة وكأنه خطيب على منبره المرصع يرتجل خطبته. وبالجملة فإنّ الشاعر يصوّر لنا الطبيعة في زينتها الكاملة وفي واقعيتها الباردة رغم اللمسات الفنية التي لمس بها صوره، ولكن الذي يستوقفنا في هذه المقطوعة هو البيت الثامن، حيث يقول:
مَوْشِيُّ ثَوْبٍ طَوَاهُ الدَّهْرُ آوِنَةً فَهَا هُوَ اليَوْمَ لِلأَبْصَارِ نَاشِرُهُ
وهو بيت القصيد الذي يفصل به الشاعر الطبيعة الأندلسية إلى مرحلتين: مرحلة ما قبل مجيء السلطان ومرحلة ما بعد مجيئه.
فأما المرحلة الأولى فقد كانت فيها السيادة لمصائب الدهر على الطبيعة الأندلسية؛ إذ كان البساط الأندلسي الموشي بكل الألوان والأصوات مطويًّا، أو بتعبير آخر، كان خرابًا ويبابًا، أتت الحروب بنارها وحديدها على كل جوانبه، فكأن الطبيعة الأندلسية كانت في خريف عمرها، وبالتالي كانت تعيش مرحلة حداد ليس لها من زينتها إلا مِرْطُها الأسود، أو كانت عناصرها كلها من طينة أخرى مناسبة لحالة الحرب التي كان المسلمون يخوضونها على واجهتين: ضد الروم خارجيًّا إبّان الاجتياح القشتالي الأرجوني لمعظم الأراضي الأندلسية، وضد الفتن الداخلية التي عصفت ببلاد المسلمين حين اشرأبت أعناق كثيرين منهم متطلعة إلى الإمارة مهما كانت العواقب، ولو على حساب الوجود الإسلامي نفسه بالأندلس، وكأن الشاعر بهذا الالتفات يُلَمِّح إلى المرحلة التي كانت تسعى فيها الأندلس إلى استعادة ذاتها وتحقيقها، وهو ما حققته في المرحلة الثانية عندما جاء ناشر بساطها/السلطان، لتستعيد طبيعتها وتعود عناصرها إلى سالف عهدها، فقد حل الأمل بعد اليأس والانبساط بعد الانقباض/لطَّيّ، فزال سبب التحول فعاد المسبَّب إلى حاله، وكأن الأرض/ الأندلس قد بدأت تتلمس الطريق إلى بهائها المعهود، فها هي ذي تحتفي بمقدم السلطان الذي انتصر على نوائب الدهر، وأعاد إلى الأندلس الشباب/الربيع، بعدما دبّ إليها المشيب/الخريف.
وهذا يعني أنّ الشاعر ومعه باقي الشعراء -كما سنرى- ينظر إلى الطبيعة على أنها عنصر متفاعل وحيٌّ، تعيش الحدث الأندلسي بعمق، فتحتدّ شوكتها، وتستنفر عناصرها زمن الحرب، ويلين جانبها احتفاء بالنصر زمن السِّلم.
والذي يسترعي الانتباه في مقطوعة ابن الجياب هذه، هو أنه عبّر عن هذا التحول حتى على مستوى اللغة وأساليب البيان، فإذا كان التشبيه -وبخاصة البليغ منه- هو الطاغي على القصائد التي صورت عناصر الطبيعة الأندلسية في صور ملحمية مختلفة، إذ السيف برق والسحاب عجاج، والزهر قَنَا وما إلى ذلك، فإنّ الغالب على صور عناصرها بعد التحول هو الاستعارات:
- الأرض لبست أثوابها
- الأزهار بسمت
- يد الغيب حاكت حللا
- خطيب الطير قام مرتجلا
- الغصن يثني معاطفه
فنلاحظ أنّ طغيان الأفعال يعكس ذلك التحول أو تلك الصيرورة من حال إلى حال، وتساهم في تحسيس المتلقي به، ناهيك عن كون تلك الأفعال من حقل دلالي واحد، يبعث الانبساط في النفس، ويأخذ بيدها إلى السعة بعد الضيق الذي رأيناه في الفقرة السابقة.
وشبيه بقول ابن الجياب، أبيات أجاد فيها الشاعر المقرئ أبو عبد الله محمد القلطوسي يمدح الوزير ابن الحكم بقوله:
عُلاَهُ رِيَاضٌ أَوْرَقَتْ بِمَحَامِدِ
تَسُـحُّ عَلَيْهَا مِنْ نَـدَاهُ غَمَائِـمٌ تَنَوَّرُ بِالجـدْوَى وَتُثْمِرُ بِالأَمَلْ
تُرَوِّي ثرى المعروفِ بِالْعَلِّ والنَّهَلْ(3)
فالشاعر يضعنا أمام روض غريب حقًّا: أوراقه المحامد، وأزهاره الجدوى، وثماره الأمل وترابه المعروف، ولكن شتّان بين غرابة هذا الروض وغرابة روض أزهاره الرماح وترابه الأعناق ومياهه الدماء وطيوره السيوف، إذ النفس ترتاح للغرابة الأولى ارتياحها لذكر الحياة، وتنقبض للثانية انقباضها لذكر الموت.
فأبيات القلطوسي هذه وإضافة إلى ردها على مزاعم من حكم قطعًا بالتصوير الحسي على شِعر هذه المرحلة، تضع المتلقِّي أمام أبواب منفتحة يحسّ معها فعلاً بالأمل يدبّ في عروق الجسد الأندلسي، وإن كانت متعلقة بشخص ما/ الممدوح، إلا أنها تشعره بميلاد جديد للطبيعة الأندلسية، وتدعوه ليصحبها ابتداء من غرس البذرة، إلى جني الثمار، عبر لوحات تنـزل على نفسه بردًا وسلامًا!! المعروف تراب يسقيه الندى، فاشتعل نباتًا، فأورق بالمحامد وأزهر بالجدوى وأثمر بالأمل. ولا يخفى ما تبعثه هذه الأبيات في نفس المتلقي من انتشاء وهو يتخيل هذه الرياض بما فيها، ولن يجد ما يستقر عليه ذهنه إلا صورة الاستبشار والانطلاق وهي تعم جنبات الأندلس، وهو ما عبّر عنه الشاعر نفسه في مقطوعة أخرى مدح بها القائد أبا عبد الله الرنداحي، وقد أجاد فيها أيضًا حيث قال:
والأرضُ قَدْ لَبِسَتْ بُرُودَ أَزَاهِرِ
والجوُّ إِذْ يَبْكِي بِدَمْعِ غَمَامَةٍ
وَالرَّوْضُ مَرْقُومٌ بِوَشْيِ أَزَاهِرٍ
والغُصْنُ مِنْ طَرَبٍ يَمِيلُ كأَنَّمَا
والوَرْدُ مُنْتَظِـمٌ على أَغْصَانِـهِ وتَمَنْطَقَتْ مِنْ نَهْرِهَا بِوِشَاحِ
ضَحِكَ الرَّبِيعُ لَهُ بِثَغْرِ أَقَاحِ
وَالطَّيْرُ تُفْصِحُ أَيَّمَا إفْصَاحِ
يُسْقَى بِكَفِّ الرِّيحِ صِرْفَ الرَّاحِ
يَبْدُو فَتَحْسَبُهُ خُدُودَ مِلاَحِ(4)

ومع أنّ هذه المقطوعة ترجمة وتفصيل للبيتين السابقين في ابن الحكيم، إلا أنها تضع حدودًا لذهن المتلقِّي وهو يتصور إشراقة الأندلس وطبيعتها، بينما البيتان السابقان يطلقان عنان التفكير إلى أبعد الحدود، لأنّ الشاعر لم يقيِّد فيها المتلقِّي بالمحسوس بقدر ما أرسله مع المجرد يجوب عالم الخيال كيف يشاء، ثم إنّ الشاعر انحدر من عالم القِيَم التي لا تتقيّد بزمان ولا مكان إلى عالم الأرض، وبشكل أكثر تحديدًا، إلى روض في الأرض بمحيطه المحدود وعناصره المألوفة.
وما أريد قوله في هذا الصدد هو أنّ الطبيعة أو الرياض في شعر هذه المرحلة على ثلاثة أنواع:
1- الروض الأول هو روض الحرب والأسلحة بكل أبعادها الملحمية.
2- الروض الثاني هو روض القيم الذي رأيناه مع القلطوسي، وهو نادر جدا في شعر هذه المرحلة، إلا أنّ مجرد ذكره في بيت أو بيتين له دلالته الخاصة، لما فيه من قوة إيحائية غاية في الروعة والغرابة معًا، وهذان الروضان يتساويان في الغرابة وخرق المألوف، وتدفع صورهما المتلقِّي إلى مزيد من شحذ القريحة أو زلزلة الذهن في الكشف عن المقاصد، بما يستتبع ذلك من لذة ومتعة تزيد المتخيَّل الشعري لديه خصبًا وثراء.
3- الروض الثالث هو الروض الواقعي الحسي المألوف بما فيه من عناصر تملأ العيون في كل بلاد الدنيا.
صحيح أن شعراء هذه المرحلة عبّروا عن انطلاق حال أهل الأندلس، وعودة الأمل في البقاء من خلال تصوير أجمل ما في الطبيعة و رياضها من ورد وطير ونسائم وما إليها، ولكن المقصود هو أنّ التعبير عن هذا الأمل -ونحن نتحدث عن الروض الثالث- جاء مطابقًا للواقع الحسي المشهود، وهو ما انخدع به دارسو شعر الطبيعة بالأندلس بعامة، وشعر هذه المرحلة بصفة خاصة، فحكموا عليه بالحسية والتقليدية وما إليها من الأحكام، وهم في الواقع لم يدرسوا من شعر طبيعة الأندلس إلا وجهًا واحدًا من ثلاثة أوجه، ومع ذلك أصدروا أحكامًا عامة يرفضها الشعر الأندلسي نفسه.
وإذا أمعنّا النظر في هذه الرياض الثلاثة نجد أنّ الأول والثاني منهما يحققان اللذة الفنية والدلالية معًا، بينما الثالث يحقق المتعة الدلالية فقط، مع خيال رحب في التصوير واستغلال جيد لأدواته وبخاصة الاستعارة. من هنا نجد أن الصورة التي رأيناها في الروض الأول بعناصره الملحمية اعتمدت أساسًا على التشبيه، وقلت التشبيه البليغ منه بخاصة، ومع ذلك كانت الصور عالية الجودة في الإبداع ودلاليًّا وإيقاعيًّا، بينما اعتمد الشعراء في صور الروض الثالث أساسًا على الاستعارة، إلا أنها لم تحقق هنا ما حققه التشبيه هناك، مع علو كعب الاستعارة في التصوير الفني والتعبير البياني، وهذا مثال آخر لأبي بكر بن أبي القاسم بن قطبة يمدح به الغني بالله إثر عودته إلى الملك ثانية بعد الثورة التي أحاطت به:
أُنْظُرْ إلى الدُّنْيَا يَرُوقُكَ حُسْنُهَا
لَبِسَتْ مَلاَبِسَ سُنْدُسٍ أَعْلاَمُهَا
وَتَفَتَّحَ الوَرْدُ النَّضِيرُ بِرَوْضَةٍ
وَتَأَرَّجَتْ نَفَحَاتُهُ فَكَأَنَّمَا
وَكَأَنَّمَا عَشِقَ الحيَا زَهْرَ الرُّبَى
وَكَأَنَّمَا زَارَ الحبِيبُ مُحِبَّهُ
وَكَأَنَّمَا خَشِيَ الرَّقِيبَ فَجَرَّدَتْ
وَكَأَنَّ حَرَّ الشَّمْسِ خِيفَ فَأُسْدِلَتْ
وَكَأَنَّمَا سَجَعَتْ بِجُودِ مُحَمَّدٍ مِنْ بَعْدِمَا رِيعَتْ بِهَا النُّظَّارُ
مِنْ ذِي الأَزَاهِرِ فِضَّةٌ وَنُضَارُ
فَاصْفَرَّ مِنْ خَجَلٍ هُنَاكَ بَهَارُ
قَامَتْ بِشُكْرِ نَسِيمِهَا الأَطْيَارُ
فَلِذَاكَ تَبْسِمُ، أَنْ بَكَى الأَزْهَارُ
سِرًّا فَرَامَتْ سِتْرَهُ الأَشْجَارُ
أَسْيَافَهَا تَحْمِي الحِمَى الأَنْهَارُ
لِلسُّحُبِ فَوْقَ رُؤُوسِنَا أَسْتَارُ
فَبَدَا عَلَى عَجَلٍ لَهَا اسْتِعْبَارُ(5)

فالشاعر استعار لكل عنصر من عناصر الروض تقريبًا صفة ملازمة لسواه: "الدنيا لبست" و"الورد اصفر" و"الأطيار تشكر" و"الحيا عشق" و"الأشجار تستر" وسوى هذا مما هو واضح في النص، ومع ذلك فإنّ الصور تفتقر إلى ما اغتنت به الصور الملحمية لعناصر الطبيعة من حرارة وحيوية يحس معها المتلقِّي بأنه في أرض غير الأرض المعهودة بكل عناصرها الغريبة.
ثم إنّ الشعراء في تصويرهم لاحتفاء الطبيعة بالممدوح أو بانتصاره، يعكفون إلى عناصر ثابتة تتردد في كل القصائد تقريبًا، لأنها تدور كما قلت في محيط محدود هو الأرض، وهذه العناصر هي: "الأرض، الورد، الطير، الماء من مطر ودمع وندى، الغصن، الشجر"، ومع أنّ هذا ليس غريبًا، لأنه يعتبر من خصائص الروضيات في شعر أهل الأندلس، إلا أنّ لها هنا عند شعراء بني الأحمر دلالة خاصة مرتبطة بواقع الأندلس في أيامهم، سنكشف عنها بعد إضافة نصين آخرين حتى لا تكون خلاصتنا جزئية. يقول ابن زمرك بعد عودة الغني بالله إلى عرشه ثانية:
حَيثُ الهدِيل مَعَ الهدِيرِ تَنَاغَيَا
وَالقُضْبُ مَالَتْ لِلْعِنَاقِ كَأَنَّمَا
مُتَلاَعِبَاتٍ فِي الحُلِيِّ يَنُوبُ فِي
وَالنَّرْجِسُ المطْلُولُ يَرْنُو نَحْوَهَا
وَالنَّهْرُ مَصْقُولُ الحسَامِ مَتَى يَرِدْ
يَجْرِي عَلَى الحصْبَاءِ وَهْيَ جَوَاهِرٌ
لم أَدْرِ مِنْ شَغَـفٍ بِهَا وَبِهَـذِهِ فالطَّيْرُ تَشْدُو فِي الغُصُونِ بِلاَ وَتَرْ
وَفْدُ الأَحِبَّةِ قَادِمِينَ مِنَ السَّفَرْ
وَجَنَاتِهِنَّ الوَرْدُ حُسْنًا قَدْ خَفَرْ
بِلَوَاحِظٍ دَمْعُ النَّدَى مِنْهَا انْهَمَرْ
دِرْعَ الغَدِيرِ مُصَفِّقًا فِيهِ صَدَرْ
مُتَكَسِّرًا مِنْ فَوْقِهَا مَهْمَا عَثَرْ
مَنْ مِنْهُمَا فَتَنَ القُلُوبَ وَمَنْ سَحَرْ(6)
فالشاعر وإن جنح في التعبير عن بهجة الأندلس بعودة السلطان إلى جو من العشق والغرام، إلا أنه مع ذلكم لم يلبث أن عرج على ذكر ما دأب على ذكره غيره من شعراء هذه المرحلة مما سبقت الإشارة إليه من مكونات الروض المختلفة.
وهذه أبيات أخرى من القرن التاسع لعبدالكريم القيسي يمدح بها القاضي أبا عمرو بن منظور، ويبدو فيها الشاعر ليِّن الجِلْد، يميل فيها شعره نحو الانحطاط، يقول:
مَا لِلرِّيَاضِ أَنِيقَةَ الأَثْوَابِ
دَارَتْ بِهَا لِلأُنْسِ أَيَّ مَدَارَةٍ
وَالزَّهْرُ فِي أَدْوَاحِهَا مُتَبَسِّمٌ
والطَّيْرُ فِي أَغْصَانِهِ نَغَمَاتُهُ
وَالرِّيحُ تَنْفَحُ والخمَائِلُ تَنْثَنِي
وَالطِّيبُ يَعْبَقُ رِيحُهُ فَإِذَا سَرَى
وَمَشَارِبُ الدُّنْيَا المؤَمَّلِ وِرْدُهَا
مَا ذَاكَ إِلاَّ لِلسُّرُورِ بِنِعْمَةٍ
بِوِلاَيَةِ الْقَاضِي ابْنِ مَنْظُورٍ أَبِي مَأَنُوسَةَ الأَرْجَاءِ والأَبْوَابِ
مِنْ غَيْرِ أَقْدَاحٍ وَلاَ أَكْوَابِ
عَنْ ثَغْرِ سَاحِرَةِ العُيُونِ كَعَابِ
مِنْ طِيبِهَا تَسْبِي أُولِي الألْبَابِ
طَرَبًا بِجَانِبِ زَهْرِهَا المنْسَابِ
وَافَى بَطِيبِ نَوَاسِمِ الأَحْبَابِ
خَلُصَتْ مِنَ الأَكْدَارِ لِلطُّلاَّبِ
مِنْ مُنْعِمٍ مُتَفَضِّلٍ وَهَّابِ
عَمْرٍو رِئَاسَةَ جُمْلَةِ الكُتَّابِ(7)
فعبدالكريم القيسي أيضًا يعبّر عن ارتياح البلاد والعباد لتقلد أبي عمرو بن منظور زمام القضاء، وإن كان في الواقع يعبّر عن نفسه هو التي عانت مرارة الحيف والظلم على أيدي قضاة بلده، فلم يجد أحسن من اللجوء إلى الطبيعة يستميح منها صوره من رياضها بكل ما فيها.
فانطلاقًا من هذه النصوص يتضح أنّ الشعراء اعتمدوا أساسًا على عناصر بعينها ذكرناها آنفًا، بل إنّ الأفعال المنسوبة إلى كل عنصر تكاد تتشابه بين النصوص كلها، إذ لا اختلاف بينها إلا في ما نجم عن تحوير بسيط في المعنى:
- الأرض / الرياض: لبست.
- الأزاهر: بسمت.
- الحيا/الجو/الندى/الدمع:انهمر/بكى.
- الطير: يخطب/يشدو/يفصح/يشكر.
- الغصن: انثنى/مال.
فهذه عناصر أساسية تقوم بنفس الدور في جل القصائد، وإذا أمعنّا النظر جيّدًا، نجد أنّ الشعراء دائمًا يلحون على السقيا بطرق مختلفة مباشرة أو غير مباشرة، إذ يجعلون المطر أو الدمع أو الندى هو الجوهر الذي تفيض عنه الأعراض الأخرى كالشجر والزهر وما إليها. وإذا ربطنا هذه الدلالات بسياق ورود القصائد، نجدها كلها قد قيلت بغرض المدح، وكلها جاء في مقدمة هذه القصائد قبل التخلص إلى الممدوح، ثم إنّ هذه النصوص كلها قيلت في مناسبات الفرح والابتهاج، إمّا لتولِّي الملك، أو عودة إليه بعد ثورة، أو قدوم على حضرة غرناطة عاصمة الإمارة، وهذا كله يجعلنا نربط بين الطبيعة والمرأة والمكان في علاقتها بالممدوح أو المطر، أي أنّ الشعراء يصوّرون الاحتفال بالممدوح من خلال علاقة الرياض بالمطر. فإذا كان تولِّي الممدوح للملك أو عودته إليه يمثّل إنقاذًا للأمّة أو إحياء لها بعدما كادت تعصف بها الأيام، فإنّ الأمطار عند انسكابها تحيي الأرض بعد مواتها، وفي كلتا الدلالتين نلمس الحياة والاستمرار مع الخصب والإمراع.
لهذا فإنّ بعض الشعراء ضمنوا هذه الأبيات سبب ابتهاج الطبيعة وتأنقها في لباسها الموشي بأنواع الزهر والورد، فابن الجياب آنفًا، يخاطب الممدوح "بأهلاً بمقدمك الميمون" وزاد الأمر توضيحًا في البيت الثامن كما رأيناه. وأبوبكر بن قطبة يخاطب المتلقي بأن ينظر إلى حسن الدنيا "من بعد ما ريعت بها النظار"، في إشارة إلى الثورة التي أطاحت بالغني بالله، وعبدالكريم القيسي يصرح بأنّ ما ذلك السرور المتحدَّث عنه إلا "بولاية القاضي رئاسة الكتاب". وهذا يعني أنّ الشعراء ألحوا على تصوير الطبيعة مبتهجة وإن كنَّوا بها عن أنفسهم وعن أهل الأندلس بعامة، إمعانًا في تصوير العلاقة الوطيدة المتبادلة بين الإنسان والأرض، بل إنّ كل طرَف جزء من الآخر في إحساسه ومشاعره في الحرب والسلم، يقول الشاعر محمد الشريشي يصف غرناطة إثر عودة الغني بالله إلى الملك ثانية:
فَأَهْدَتْكَ بُشْرَى مِنْ رُبَاهَا لَنَشْرُهَا
وَثَغْرُ الأَقَاحِي افْتَرَّ مِنْ جَذَلٍ بِكُمْ
وَوَرْدُ الرِّيَاضِ احْمَرَّ مِنْ خَجَلٍ بِهِ بُنُودُ شَقِيـقٍ مُنْذُ بُعْدِكُمْ حِلْكُ
كَمَا زَهَرُ الرَّوْضِ الأَنِيقِ لَهُ ضحْكُ
وَعَرْفُ الرُّبَى يَحْكِي شَذَاكَ لَهُ مِسْكُ(8)
فنلاحظ أنّ وقع شبه الجملة "منذ بعدكم حلك" وقع خاص مقارنة مع فيض من الألفاظ المعبّرة عن الإشراق والابتهاج بالقرب/العودة: "البشرى، افتر، جذل، ضحك" ناهيك عن "النشر، العَرْف، الشذا، المسك" مما يرتبط بالأقاحي وزهور الروض ووروده، وكأنّ الشاعر يعبّر عن لحظة انبثاق لحياة جديدة ملأت الآفاق، فلم يجد أحسن من تجسيدها في الروابي والرياض بما فيها من خصب وحياة.
ولعل هذا الانطباع نفسه ينتاب المتلقي وهو يقرأ أبيات ابن فركون في مدح الملك الشاعر يوسف الثالث الذي حكم الأندلس بين 810-820هـ/ 1408-1417م، عند إبلاله من مرضه، وهي قوله:
اسْتَشْرَفَتْ أَوْجُهُ البُشْرَى تَرُوقُ سَنَى
وَالدَّوْحُ مُنْعَطِفٌ والزَّهْرُ مُبْتَسِمٌ
الشُّهْبُ تَحْكِي يَوَاقِيتًا مُنَظَّمَةً
وَلِلْقُلُـوبِ هُـدُوٌّ بِالأَمَـانِ كَمَا بِالبِشْرِ وَالفَرَحِ الآتِي بِهِ الفَرَجُ
وَالغُصْنُ مُعْتَدِلٌ وَالنَّهْرُ مُنْعَرِجُ
حُمْرًا تَضَمَّنَهَا مِنْ لَيْلِهَا سَبَجُ
بِالشُّكْرِ أَلْسِنَةُ القُصَّادِ تَخْتَلِجُ(9)
فنلمس ترابطًا وثيقًا بين "الفرج" و"للقلوب هدوء بالأمان"، موازاة مع انعطاف الدوح وابتسام الزهر واعتدال الغصن وما إليها من الأوصاف التي أضفاها الشاعر على الطبيعة؛ بحيث إننا نحس بالإبلال في هذه الطبيعة قبل الممدوح، فإذا أتينا بنقيض هذه العبارات: "الشدة" و"اضطراب القلوب بالخوف"، تتوضح لنا سائر الصور التي ستكون عليها الطبيعة من تعبّس واعتلال، ولكن بمجرد إيراد عبارة "الفرج"، تنفتح العُقَد، وتتداعى كل الأوصاف المصاحبة لها مما أتى على ذكره الشاعر في تصويره للطبيعة؛ وهذا كله ينسجم مع ما قلناه سابقًا من تلاحم الإنسان والأرض ومع ما سيأتي في الفقرة الموالية.
ومن الطريف أنّ كل الصور التي رأيناها مع الشعراء السابقين وهم يعبّرون عن انفعال الطبيعة وابتهاجها، كانت صورًا مرتبطة بالأرض أساسًا أو بحدود الأرض دون سواها، إلا أننا نجد هنا ابن فركون في مقطوعته السابقة، قد حلّق في السماء ليصوّر لنا التغير الذي طرأ على الشهب حتى أصبحت يواقيت حمراء، كما أصبح الأفق رائقًا بهيًّا، وهذا يذكرنا بالتحوّل الذي طرأ على الشهب في الحرب حين أصبحت نصول رماح أو نبالاً تصيب مقاتل العدوّ.
وابن فركون في هذا، كابن زمرك من قبله حين حلّق في السماء وهو يمدح الغني بالله، بحيث تحوّلت عناصرها إلى جواهر ويواقيت، يقول:
وَالطَّيْرُ أَلْسِنَةُ عَلَيْكَ ثَنَاؤُهَا
وَالنَّوْرُ ثَغْرٌ مِنْ سُعُودِكَ بَاسِمٌ
وَالأُفْقُ فَوْقَكَ قُبَّةُ مَحْبُوكَةُ
وَالْغَيْثُ إِنْ وَافَى رِيَاضَكَ زَائِرًا
مَا جَـاءَ إِلاَّ لِلْهَنَاءِ أَمَا تَـرَى وَالدَّوْحُ أَلْوِيَةُ لِنَصْرِكَ تُعْقَدُ
والغُصْنُ جِيدٌ مِنْ حُلاَكَ يُقَلَّدُ
وَالبَدْرُ تَاجٌ وَالنُّجُومُ مُقَلَّدُ
فَلَهُ لِجُودِكَ نِسْبَةُ لاَ تُجْحَدُ
لِلْبَرْقِ فِيهِ تَبَسُّـمٌ يَتَرَدَّدُ(10)
فعهْدُنا بالبرق أنه سيف، والنجوم أسنّة على الأعداء، إلا أنها تحوّلت مع الممدوح إلى ثغر يبتسم له ويهنؤه، وإلى جواهر رصع بها مُقلِّده وحمالة سيفه، كما أن البدر تحوّل إلى تاج؛ و بذلك فإنّ كل عناصر الطبيعة سمائها وأرضها أخذت بُعدًا احتفاليًّا بعدما كانت سابقًا تأخذ بُعدًا ملحميًّا، وكأن الأندلس تستنفر ذاتها أيام الحرب للقتال، بقدر ما تستنفرها أيام السِّلم للاحتفال.
ولا أريد أن أنتقل إلى الجانب الآخر من انفعال الطبيعة دون أن أعرِّج على هذه اللوحة البديعة لابن زمرك أيضًا وهو يصف مقدم الغني بالله إلى غرناطة في يوم ثلج، يقول:
لَمَّا أَتَى الْمَوْلَى الإِمَامُ مُحَمَّدٌ
الْفَحْصُ أَصْبَحَ بِالجلِيدِ كأَنّه
أَوْ شَابَ تَوْقِيرًا لَهُ ومَهَابَةً
وَأَتى شُعَاعُ الشَّمْسِ يخضِبُ شَيْبهُ
وَسَرَى النَّسِيمُ مُعَطَّـرًا فَكَأَنَّهُ مِنْ وِجْهَةٍ تَقْضِي بِنَصْرِ لِوَائِهِ
لَبِسَ البَيَاضَ لِيَوْمِ عِيدِ لِقَائِهِ
حَتَّى تَلَفَّعَ وَجْهُهُ بِرِدَائِهِ
فَبَدَا عَلَيْهِ الصِّبْغُ مِنْ حِنَّائِهِ
شِعْـرِي وَقَدْ طَيَّبْتُهُ بِثَنَائِهِ(11)
فالثلج الذي كسا الأرض الفيحاء حول غرناطة، هو في عين الشاعر، رداء اكتست به الطبيعة احتفاء بمقدم السلطان، وإلا فهو شيب اشتعل به رأس مرجها هيبةً وتوقيرًا له، ولما كان من عادة الشيخ الأشيب أن يخضب شيبه بالحناء، فإنّ الشمس لما طلعت على المروج البيضاء، كسَتْها بأشعتها الحمراء فبدا الوجود كله أحمر وكأنه مخضب.
ففرق كبير بين هذه الصورة والصورة التي رأيناها سابقًا لأبي عبد الله اللوشي، حين جعل السيوف شيبًا في رؤوس العدوّ، وجعل دماءهم حناء تُخضّب به، فهناك نجد صورة رعب فرضتها الحرب على طبيعة الأندلس، وهنا نجد صورة بهاء وجمال، فرضها السلم عليها حين تنفّست الصعداء وهي تعيش أزهى أيامها مع الغني بالله.
بعدما رأينا تصوير الشعراء لانطلاق الطبيعة وبِشْرِها واحتفائها بمناسبات لها علاقة مباشرة بالممدوح لتولِّيه الملك أو قدومه من سفر أو غزوة أو ما إلى ذلك، نعرِّج الآن على ما دأب عليه شعراء بني الأحمر في تصوير الجانب الآخر من الطبيعة، بحيث يظهر وجهها العبوس القنوط وقد لبست مسوح الحداد لمهلك ملك أو ثورة عليه أو عارض آخر سيء طرأ عليها.
ولعل هذا آت من حرص الشعراء على جعل الأندلس فردًا من الأسرة المسلمة، تشاركها حياتها اليومية في الحرب كما في السلم أو في الحزن أو الفرح، ويلاحظ في هذا الجانب -جانب الحزن في الطبيعة الأندلسية- أنه ليس أقل براعة في الإبداع من الجانب الأول الذي رأيناه وله خصائصه التي تميزه كما سيأتي.
فبعد مقتل سادس ملوك بني نصر محمد بن إسماعيل عام 733هـ شرّ قتلة(12) رثاه أبوبكر بن شبرين بقصيدة طويلة جاء في بعض أبياتها:
حَكَّمُوا فِيهِ الظُّبَا أَسْـ
إِنْ يَكُونُوا غَادَرُوهُ
تَشْرَبُ الأَرْضُ دَمًا مِنْـ
وَتُحَيِّيهِ بِتَسْلِيـ
فَالْمَعَالِي أَوْدَعَتْهُ
وَغَوَادِي الْمُزْنِ يُرْضِعْـ
ضَاعَ صَرْحُ الثَّغْرِ لَمَّا
وَأُعِيرَ الأَسَدُ الْوَرْ
عَاطِيَانِي أَكْؤُسَ الْحُزْ
حَمْلُـهُ دُونَ صَــلاَةٍ رَعَ مِنْ لَمْحِ العِيَانِ
فِي الثَّرَى مُلْقَى الجِرَانِ
ـهُ تَهَادَاهُ الغَوَانِي
ـمٍ ثُغُورُ الأُقْحُوَانِ
بَيْنَ سَحْرٍ وَلُبَانِ
ـنَ ثَرَاهُ بِلِبَانِ
أُغْمِدَ السَّيْفُ اليَمَانِي
دُ القَمِيصَ الأُرْجُوَانِي
نِ عَلَيْهِ عَاطِيَانِي
لِلثَّرَى مِمَّا شَجَانِي(13)
فالشاعر يصوّر جثة السلطان وقد تعفّرت بالتراث وتضرجت بالدماء، وقد ألقى بها القتلة في العراء؛ فالصورة وإن كانت أدعى للشفقة ورقة الأفئدة، إلا أنّ الشاعر أراد أن يشرك الطبيعة في هذا المنظر الحزين، وأن يبدل أهل السلطان وذويه بعناصرها.
فدماء السلطان القتيل تبدو في الصورة وكأنها شراب مقدس تشربه الأرض، لأنه دم الرجل الذي كان يدافع عنها ويحمي حماها، وهذه الصورة مناقضة تمامًا لصورة الدماء التي كانت تسحّ على الأرض سحًّا حين تحوّل المطر إلى دم أو حين سالت دماء العدوّ أنهارًا بسيوف المسلمين.
بل إنّ الطبيعة نفسها كانت أحوج ما تكون إلى أنهار من الدماء لتنبت رياض القنا والرماح. أمّا هنا فقد تغيّرت الأمور، فالأرض تشرب دماء السلطان المغتال لأنها نفيسة لا تستحق أن تنقرها الغربان، وتضمه إليها لأنه بقي وحيدًا في العراء بعد أن قُتِل مَن كان معه وغادره القتلة هناك، وها هي ثغور الأقاحي التي طالما صوّرها الشعراء في الفقرة السابقة مفترة عن ثغر باسم مرح، تنحني أمام الجثة السلطانية الهامدة مُحيّية إياها في ذهول وخشوع، فقد رمى بها طلب المعالي بالجهاد والقتال بين سَدْرٍ ولُبَان، بعدما كان يُجهِدها دائمًا بين السيوف والرماح.
ثم إنّ الشاعر عرج على المطر وهو عنصر أساس في كل الصور الملحمية والاحتفالية والتأبينية، فهو في هذه الصورة يتماشى مع الجو الجنائزي، فهو ليس سهامًا ولا دمًا ولا صَبِّيًا هتّانًا، وإنما هو لبن يرضع ثرى السلطان ليكون بمثابة سقي وكفن أيضًا، إذ إنّ جثة السلطان وحيدة لا تنتظر الطقوس الملوكية المعهودة عند الدفن، فجاء المطر/اللَّبن بلونه الأبيض ليواري سوأة السلطان، بدل القميص الأرجواني الأحمر الذي اكتسى به من أثر الدماء والتراب.
وهنا نحس بوقع فريد لفعل "ضاع" بقوة حروفه، تتلوه الجملة "صَرْحُ الثغر" بقوّتها أيضًا، وكأنّ هذا الحنان الأمومي من الطبيعة على جثة السلطان، آت من إدراكها بأنها أصبحت عورة بمقتله، وأصبحت بلا حامٍ بعدما أُغمِد السيف اليماني في وجه العدوّ، بل أصبحت أرملة بلا مُعيل.
بعدما صوّر الشاعر حزن الطبيعة وألمها على رحيل السلطان، رجع إلى نفسه ليصوّر مشاعره هو أيضًا تجاه الحدث. ولكن الذي يهم، هو أنه عرَّج على تصوير حزن الطبيعة/الأندلس قبل تصوير حزن الإنسان(14)، تأكيدًا منه على خسارة الأندلس في هذا الاغتيال قبل خسارة الأندلسيين. وهذا يؤكد ما خلصنا إليه سابقًا من أنّ الطبيعة هي دائمًا في المقدمة في التعامل مع ما جدّ من الأحداث خيرها وشرها؛ فهي أول من يهنأ بميلاد سلطان باعتبارها أرض الرباط، والمولود جندي جديد، وهي أول من يفرح لتسلمه الملك وولاية العهد، وأول من يستنفر كل عناصره لتكون سلاحًا مع جنود المسلمين، وأول مَن يحتفل بالنصر كما رأينا قبل قليل، وها هي ذي أول من يودّع السلطان -وستأتي شواهد أخرى مع ملوك آخرين- ويحزن عليه عند وفاته، إنه تلازم بين الطرفين؛ حرص على تصويره الشعراء في هذه المرحلة في الأغلب الأعم من أشعارهم، وربطوا وجود كل طرف منهما بوجود الطرف الآخر، ولست أدري أكان هذا حدسًا لديهم، أم هو مجرد وهمٍ شعري جرى عليه صدق الظن فيما بعد، فقد انتهت الأندلس المسلمة بانتهاء دولة بني نصر!!.

يقول أبو بكر بن أبي القاسم بن قطبة يمدح الغني بالله ويصوّر حال الأندلس أثناء غيابه في عدوة المغرب، بعدما أطاح به أخوه في ثورته عليه:
عَهْدِي بِهِ مِنْ بَعْدِ بَيْنَكَ مُظْلِمًا
وَالْبَرْقُ خَفَّـاقٌ عَلَيْكَ فَؤَادُهُ مُسْتَوْحِشَ الْعَرَصَاتِ قَفْرَ الأَرْبُعِ
وَالسُّحْبُ تَبْكِي بَالدُّمُوعِ الْهُمَّعِ(15)
فالوطن الأندلسي عقب الإطاحة بالغني بالله أصبح في عين الشاعر طللاً باليًا أقفرت أربعه وعرصاته، وكأن عمارته متوقفة على السلطان، فإذا غاب، غاب معه كل شيء، إلا أنّ الربط بين حضور الممدوح والعمارة من جهة، وغيابه والخراب من جهة أخرى، له دلالته الخاصة. فغياب الممدوح عند الشاعر بمثابة غياب المطر والسقيا، وهذا يعني الخراب والضياع في الطبيعة/الأندلس، ومن ثم فإنها تتحول إلى طلل أو بلقع لا أثر فيه إلا للرسوم الدوارس والنُّؤْيِ والأحجار، وحتى البرق -أحد أكبر علامات السقيا- لم يعد برقًا تتطلع إليه الأعناق متحسسة آثار المطر، ولم يعد سيفًا، رمز الجهد يزرع الرعب في العدوّ كما رأينا، وإنما أصبح علامةً من علامات الخوف من المصير المجهول، بل إنّ السُّحب نفسها لم تعد تسقي، وإنما أصبحت تدمع دموعًا حقيقية مرتبطة بالفراق، ولا علاقة لها بما هو معهود من سقيا ومطر، حيث تقوم مقامها عند كثير من الشعراء، ثم إنّ الشاعر من خلال ربطه بين "خفقان فؤاد البرق" و"بكاء السحب" مع البين والفراق يعزز هذا الفهم الذي ذهبنا إليه.
وهذا يعني أنّ الشاعر أراد أن يعكس أثر غياب الممدوح عن الأندلس، فلم يجد أفضل من الربط بين الغياب والطلل، وخفقان البرق وبكاء السحب، إمعانًا منه في المبالغة في تضخيم شخص السلطان ودوره في استقرار الصقع الأندلسي.
ثم إننا نجد أنفسنا من خلال هذه الصورة أمام نوع آخر من المطر لا علاقة له بالمطر الدم، أو قل مطر الحرب الذي رأيناه في الفقرة السابقة، وإنما هو مطر العواطف، ويصدق عليه قوله "البكاء والدمع" صدقًا بيِّنًا، بحيث إننا نلمس هبوطًا حتى في درجة الفنية في التعبير وفي الدلالة الرمزية أيضًا قياسًا مع ما رأيناه سابقًا، وهو في هذا مثل ابن زمرك في أبياته التالية التي يرثي فيها الغني بالله حيث يقول:
سَتَبْكِيكَ أَرْضٌ كُنْتَ غَيْثَ بِلاَدِهَا
وَتَبْكِي عَلَيِْكَ السُّحْبُ مِلْءَ جُفُونِهَا
وَتَلْبَسُ فِيكَ النَّيِّرَاتُ ظَلاَمَهَا
وَمَا هِيَ إِلاَّ أَعْيُـنٌ قَدْ تَسَهَّدَتْ وَتَبْكِيكَ حَتَّى الشُّهْبُ فِي كُلِّ مَشْهَدِ
بِدَمْعٍ يُرَوِّي غُلَّة الْمُجْدِبِ الصَّدِي
حِدَادًا وَيُذْكِي النَّجْمُ جَفْنَ مُسَهَّدِ
فَكَحَّلَهَا نَجْمُ الظَّلاَمِ بِإثْمِهِ(16)
فقوله: "ستبكيك أرض كنت غَيثَ بلادها" مشحون بالدلالات التي أفضنا فيها القول سابقًا، ولكن قوله: "تبكي عليك السحب" نلمس فيها هشاشة التعبير الفني كقول ابن قطبة أعلاه، بحيث إنّ المتلقِّي لا يُصدَم به، لأنّ الموت يستدعي البكاء والحزن، وهذا أمر مألوف، على عكس صورتَي المطر السابقتين، والتي جسّد إحداهما في البيت الأول من هذه الأبيات، لأنّ الربط بين الهالك والغيث له دلالة رمزية خاصة، توحي بأنّ الخصب قد قَرُب من نهايته أو انتهى حقيقة، وهو ما تجسدّ على أرض الواقع، فرحيل الغني بالله، مثّل نهاية آخر ملك قويّ في الأندلس، وكان كل الذين أتوا من بعده أمراء ضعافًا دخلت معهم الأندلس في مرحلة الخيانات والدسائس والاغتيالات.
وهذا ما أجاد الشاعر في التعبير عنه حين صوّر مهلك الغني بالله بانطفاء النيران، بكل ما يعنيه الظلام من ضياع وتيه في المجهول. وكم هو لطيف قوله: "وتلبس فيك النيران ظلامها" بحيث إنه يحرك مخيلة المتلقّي في تصور الظلام رداء أسود كمسوح الحداد لبسته النجوم والشمس والقمر، فبدا الكون كله أسود حالكًا، تحار فيه أعين الناس وهم يتأملون العواقب في الأندلس بعد رحيل الممدوح.
ولا نغفل هنا جمع الشاعرين ابن زمرك وابن قطبة بين غياب السلطان والظلام، إذ أنهما يعبّران عن واقع سياسي مرير ظلت تبعاته تتفاعل على الساحة الأندلسية إلى أوان سقوطها، وكأنّ رحيل الغني بالله يعني الفوضى والضياع والمصير المجهول، وهذا ما وقع بعد الإطاحة به في الثورة الأولى عليه من طرَف أخيه إسماعيل الثاني وقد سبقت الإشارة إلى هذا، وما وقع أيضًا بعد وفاته عام 793هـ وعلى نحو أشد حتى إنّ ابن زمرك نفسه دفع حياته ثمنًا لهذا الضياع والتيه، فقُتل قتلاً شنيعًا بين أهله وأبنائه بعد عام 797هـ.
وفي الصورتين كليهما، عند ابن زمرك وابن قطبة، نجد الطبيعة بارزة بقوة تبكي غياب السلطان، وتتوقع كل شر ما دام الظلام مخيِّمًا على جنباتها ثم إنّ عناصرها التي طالما كانت سلاحًا قاتلاً إلى جانب المسلمين، تظهر في الصورة باهتة واهنة كما هو واضح مع البرق الذي كان سيفًا متوهجًا، ومع الشهب التي كانت سهامًا ونصولاً ترجم الشياطين/العدوّ، وكأن رحيل الممدوح إيذان بنهاية الجهاد الفعلي، فعادت تلك العناصر من صورها الملحمية إلى صورها الطبيعية العادية، بل إلى أقل مما هو معهود، فقد لبست ثياب الحداد وانطفأت جذوتها لتغرق في الظلام.
وإذا تجاوزنا إلى القرن التاسع، نجد أنّ شعراءه هم أيضًا صوّروا الطبيعة أسيفة حزينة في المواقف التي تستدعي ذلك، فهذا ابن فركون يصوّرها مريضة لمرض يوسف الثالث، فقال:
مَا كَانَ نُورُ الصُّبْحِ لَمَّا أَنْ بَدَا
حَتَّى يُرَى مَوْلَى الخَلاَئِفِ يُوسُفٌ
أَوْ مَا تَخَالُ الزُّهْرَ غَيْرَ مُنِيرَةٍ
وَالنَّوْرَ لاَ يُبْدِي ابْتِسَامَ ثُغُورِهِ
وَالخَيْلَ سَاهِمَةَ الوُجُوهِ كََأَنَّهَا
وَالسَّابِقَاتِ كَأَنَّهُنَّ نَوَاظِرٌ
وَالمرْهَفَاتُ تَقُـولُ فِي أَغْمَادِهَا مُتَهَلِّلاً عِنْدَ الطُّلُوعِ بِمُنْصِفِ
مِمَّا لَدَيْهِ مِنَ التَّأَلُّمِ قَدْ شُفِي
فِي أُفُقِهَا وَالزَّهْرَ غَيْرَ مُفَوَّفِ
وَالغُصْنَ لاَ يَثْنِيهِ لِينُ الْمَعْطِفِ
مَا أُرْسِلَتْ لِقِتَالِ بَاغٍ مُسْرِفِ
بُهِتَتْ فَهُنَّ لأَجْلِهِ لم تَطْرِفِ
يُشْفَى الإِمَامُ وَفِي عِدَاهُ نَشْتفِي(17)
فالشاعر نقل الكلل والمرض إلى عناصر الطبيعة، وإن بدأ أبياته بعتاب الصبح الذي بدا له غير منصف بطلوعه وإشراقه، وكأنه يتمنى لو طال الليل، لأنّ السلطان مريض ولن يتنفس الصبح حتى يشفى من ألمه.
وما عدا "جرأة" الصبح على الطلوع، فإنّ كل العناصر تبدو كليلة عليلة، فالنجوم الزهر قد خبا نورها، وزهر الحدائق غير متألق كعادته، أما النَّوْر فقد أطبق ثغوره، والغصن قد شُلَّت معاطفه فلم يَمِل كما هو معهود فيه، والخيول ساهمة واقفة تنتظر مَن يخرج بها للقتال، أمّا النجوم فهي شاخصة الأبصار، وقد ذهلت فبدت وكأنها عيون أخذتها الدهشة فحملقت في لا شيء، والسيوف مثلها مثل الخيول تنتظر شفاء السلطان لتشهر في وجه العدوّ ولتشتفي فيه.
فهي صورة ثقيلة، ثقل جسد المريض وما حوله، وكأن السلطان أعدى بمرضه الكون كله، فأصبح بدوره مريضًا عليلاً لا يقوى على شيء، حتى توقفت الحركة فيه في انتظار شفاء الممدوح لتبدأ آلة الحياة في العمل من جديد، ثم إنّ هذه الصورة تتناسق مع الصور السابقة في رصد الممدوح وكأنه جزء من الطبيعة، أو هو المركز والطبيعة محيط، يتبادلان التأثير والتأثر والفعل وردّ الفعل، فهي دائمًا للممدوح لا عليه، تفرح بفرحه وتحزن لحزنه وتشرق بحياته وتظلم بموته، وإن كانت الحرب فهي السلاح بين يديه.
ولما انحدرت الأندلس نحو المغيب وعمّت الفوضى كل جنباتها، ظهر ذلك الظلام الذي تحدّث عنه ابن زمرك عند وفاة الغني بالله لتغرق الأندلس في الضياع والمجهول، فانعكس ذلك الجو المظلم في بعض أشعار عبدالكريم القيسي حيث يقول وقد تعطل التوثيق في مدينته بسطة:
حَتَّى النُّجُومُ تَرَدَّتْ مِنْ مَطَالِعِهَا
وَالأَرْضُ مَادَتْ بِمَنْ فِيهَا لِمَوْقِعَةٍ
حَتَّى لَهُ عَادَتِ الآفَاقُ مُظْلِمَة
وَالرِّيحُ تَلْطِمُ فِي وَجْهِ البِطَاحِ لَهُ
وَالْبَحْرُ مُضْطَـرِبٌ مِنْ فَرْطِ غَيْرَتِهِ حُزْنًا لَهُ وَاعْترَاهَا الهَمُّ والكَمَدُ
فَالطَّوْدُ مِنْهَا اسْتَوَى فِي المِيدِ والوَهَدُ
وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ وَالنُّورُ مُتَّقِدُ
حُزْنًا بِمَا نَالَهَا مِنْهُ وَمَا تَجِدُ
وَقَدْ عَلاَهُ لِفَرْطِ الْغَيْرَةِ الزَّبَدُ(18)

لم يبق للشاعر إلا أن يقول بأنّ القيامة قائمة!!، فقد انكدرت النجوم وزلزلت الأرض وكسفت الشمس، وإن طلعت فالآفاق مظلمة، والريح عاتية لا تبقي على شيء، والبحر منفجر، وكل هذا لتعطيل التوثيق الذي هو مظهر من مظاهر الشريعة الإسلامية، بل إنّ الشاعر يرى في هذا التعطيل تعطيلاً لأحكام الإسلام نفسه، فحُقَّ للأندلس المسلمة أن تزلزل وتثور بكل عناصرها كما هو مصوّر في هذه الأبيات، وإن لم يحسن الشاعر اختيار التراكيب المعبّرة والألفاظ الموحية، نظرًا لطبيعة المرحلة التي كان يمر بها الشعر العربي واللغة العربية بعامة في ذلك النـزع الأخير من حياة الأندلس الإسلامية.

وهذه الصورة التي رسمها البسطي للأندلس قُبيل السقوط هي الصورة نفسها التي نجدها عند شاعر مجهول، وهو يصوّر حال الأندلس بعد سقوطها نهائيًّا، يقول:
وَيَا لِعَزَاءِ المؤْمِنيِنَ لِفَاقَةٍ
لأَنْدَلُسَ ارْتَجَّتْ لَهَا وَتَضَعْضَعَتْ
مَنَازِلُهَا مَصْدُورَةٌ وَبِطَاحُهَا
تَهَائِمُهَا مَفُجُوعَةٌ وَنُجُودُهَا
وَقَدْ لَبِسَتْ ثَوْبَ الحِدَادِ وَمَزَّقَتْ
فَأَحْيَاؤُهَا تُبْـدِي الأَسَى وَجَمَادُهَا عَلَى الرَّغْمِ أَغْنَى مَنْ لَدَيْهَا فَقِيرُهَا
وَحُقَّ لَدَيْهَا مَحْوُهَا ودُثُورُهَا
مَدَائِنُهَا مَوْتُورَةٌ وَثُغُورُهَا
وَأَحْجَارُهَا مَصْدُوعَةٌ وَصُخُورُهَا
مَلاَبِسَ حُسْنٍ كَانَ يَزْهُو حُبُورُهَا
يَكَادُ لِفَرْطِ الحزْنِ يَبْدُو ضَمِيرُهَا(19)

فقد تهاوى الصرح العظيم، وعمّ الظلام بعد إشراق طويل، فلم يبق إلا ثوب الحِداد وسَحُّ الدمع على قبر الأندلس.

ومما تجدر الإشارة إليه هو أنّ القصائد التي صوّرت الطبيعة الأندلسية في حالة حزن -وبخاصة قصائد أواخر القرن الثامن وما وصلنا من القرن التاسع- تطغى عليه صورة الظلام واللون الأسود، لذلك كثر إيراد: "الظلام، وانطفاء النجوم، والآفاق المظلمة، وثوب الحداد" في النصوص التي رأيناها عند كلٍّ من ابن زمرك وابن فركون وعبد الكريم القيسي والشاعر المجهول، ناهيك عن التراكيب التي تفيد معنى الظلام وهي كثيرة، وكأن الشعر واكب بداية خفوت نور الإسلام بالأندلس، وظل يصاحبه وهو يزداد خفوتًا حتى انطفأ كلية ليعُمّ الظلام كل نواحي الأندلس، لتظهر صورة أشبه "بالقيامة" تموج فيها كل عناصر الجزيرة سمائها وأرضها وبحرها وبَرِّها، كجسد المحتضر أثناء النـزع وقلع الحياة.
من خلال هذا تتوضح لنا صورة مختلفة للطبيعة الأندلسية في أحوال متعددة، فهي تتغيّر بتغيّر الظروف التي عرفتها الأندلس على أرض الواقع، ففي حالة الحرب تتحوّل كل عناصر الطبيعة إلى سلاح يساعد معسكر المسلمين على العدوّ، وفي حالة الاحتفال تلبس أزهى الحلل وتشرق كل جنباتها، وفي حالة الموت أو ما شابهه، يعمّ الظلام أرجاءها ويَسْوَدّ كل ما فيها، وإذا تجاوز الأمر إلى السقوط أو بدايته، فإنّ الظلام يصحبه الاضطراب والفوران في كل عناصرها.
ومن ثم فإنّ صورة الطبيعة في شعر عهد بني الأحمر تحوّلت تحوّلاً جذريًّا عما هو معهود في أشعار العهود السابقة، فإذا كانت الحديث عن الطبيعة في شعر الأندلسيين قبل بني الأحمر يعني الحديث عن الروضيات والنوريات والزهريات والثلجيات وما إليها، فإنّ الحديث عنها في عهد بني الأحمر يعني الحديث عن الصراع من أجل الوجود أو البقاء في الأندلس، فالطبيعة أصبحت جنديًّا في صفوف المسلمين تقاتل وتجاهد، وإذا وضعت الحرب أوزارها إلى حين، فهي مواطن/إنسان أندلسي فرح لفرح الناس ويحزن لحزنهم.
وباختصار، فإذا كنا نلمس في شعر ما قبل بني الأحمر مسافة بين الطبيعة والإنسان الأندلسي، بحيث تبدو وكأنها طَرف في جهة، والإنسان طرَف آخر في جهة أخرى يسعى إليها للمتعة والاستجمام، فإنها في عصر بني الأحمر أصبحت الطبيعة هي الإنسان نفسه، لا مسافة بينهما، تعيش في وجدانه ويحمل همّها، فاتحد الطرَفان على صعيد واحد، هو الصراع مع العدوّ من أجل بقاء الأندلس مسلمة في ديار الإسلام.
(للبحث صلة)

الهوامش:
* جامعة محمد بن عبد الله، الكلية المتعددة التخصصات، تازة، فاس، المملكة المغربية.
(1) أبوالبقاء الرندي شاعر رثاء الأندلس، ص127.
(2) ابن الجياب حياته و شعره، ص425، وراجع "صور متشابهة لما في هذه الأبيات، في قصيدة لابن فركون قالها حين قدم يوسف الثالث على غرناطة آيبًا إليها من مدينة مالقة، ديوانه، ص122.
(3) الكتيبة الكامنة، ص 72، وترجمة الشاعر في المصدر نفسه وفي الصفحة ذاتها.
(4) المصدر نفسه، ص73.
(5) نفاضة الجراب في علالة الاغتراب، ابن الخطيب، الجزء الثالث، تح. فاغية السعدية، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى، الدار البيضاء، 1982، 3/134.
(6) ديوانه، ص410؛ وراجع صورًا مشابهة لهذه، في ديوانه، ص248 و262 و264.
(7) ديوانه، تح. د. جمعة شيخة ود. محمد الهادي الطرابلسي، بيت الحكمة، قرطاج، 1988م، ص255.
(8) نفاضة الجراب، 3/133؛ وراجع أبياتًا شبيهة بها لقاسم بن محمد بن الجد العمري، يمدح أبا الحجاج يوسف الأول في الإحاطة، 4/266.
(9) ديوانه، ص332،؛ وراجع موشحة لأحمد بن فركون، والد الشاعر ابن فركون في مظهر النور الباصر، ص66؛ والسبج: لعله يقصد خرزًا أسود؛ راجع لسان العرب مادة "سبج" حرف "الجيم".
(10) ديوانه، ص123؛ ومقلد الرجل: موضع نجاد السيف على منكبيه.
(11) نفسه، ص84-85؛ والفحص: ما استوى من الأرض وبسطه منها. اللسان مادة "فحص"، والشاعر يقصد السهول المحيطة بغرناطة.
(12) راجع تفاصيل هذا الاغتيال في اللمحة البدرية في الدولة النصرية، ابن الخطيب، تح. لجنة إحياء التراث العربي في دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط3، دار الآفاق الجديدة، 1980م، ص96-97.
(13) المصدر نفسه، ص100، وترجمة الشاعر في الكتيبة الكامنة، ص166، والإحاطة، 2/239، ونفح الطِّيب، للمقّري التلمساني، تح. إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 1968م، 5/541؛ والجران باطن العنق، فإذا برك البعير ومدّ عنقه على الأرض قيل: ألقى جرانه. واللبان: شجيرة لا تسمو أكثر من ذراعين؛ و"السحر" لا معنى لها في هذا النص وظني أنّ الكلام يستقيم بـ"بين سدر و لبان".
(14) راجع النص كاملاً في اللمحة البدرية ابتداء من الصفحة 98 وما بعدها.
(15) نفاضة الجراب، 3/317.
(16) ديوانه، ص390.
(17) ديوانه، ص170، والسابقات في البيت السادس يقصد بها النجوم، وقد شبهها بالعيون التي بهتت فلم تطرف، أي لم تلحظ ولم تتحرك جفونها عند النظر، راجع لسان العرب، في مادتي "سبق" و"كرف".
(18) ديوانه، ص284.
(19) مجلة المناهل، وتصدر بالمغرب، العدد 28، السنة العاشرة.












عرض البوم صور جهاد ابو غرابه   رد مع اقتباس تقرير بمشاركة سيئةتقرير بمشاركة سيئة
قديم 28-02-2008, 10:42 AM   المشاركة رقم: 5 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مشرف قسم قبائل الأنصار وعوائلهم
الرتبة:

البيانات
التسجيل: 4 / 10 / 2007
العضوية: 475
المشاركات: 179 [+]
بمعدل : 0.11 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 5
نقاط التقييم: 10
جهاد ابو غرابه is on a distinguished road

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جهاد ابو غرابه غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جهاد ابو غرابه المنتدى : حـدائـق الأدب
افتراضي

الحلقة الثالثة
3- أثر الحرب في تصوير الطبيعة:
إنّ ما قلناه آنفًا لا يعني أنّ شعر الطبيعة في العهد النصري يصبّ كله فيما سبق التفصيل فيه، وينفي ما سواه، وإنما نجد وصفًا لمناحي مختلفة من الطبيعة، إلا أنه ما يميّز هذا التصوير هو أنه ظل رهين الظروف العسكرية التي كانت تعيشها الأندلس، حتى إنّ الشعراء كان يسيطر عليهم هاجس الحرب والسلاح أثناء أحاديثهم عن الطبيعة والرياض وما فيها، مما يمكن اعتباره امتدادًا للتصوير الملحمي للطبيعة في حالة الحرب، وإن كانت هذه النصوص قد قيلت في زمن هو أقرب إلى السلم منه إلى الحرب، يقول أبو البقاء الرندي:
وَغَانِيَةٍ يُغْنِي عَنِ الْعُودِ صَوْتُهَا
بِحَيْثُ يَجُرُّ النَّهْرُ ذَيْلَ مَجَرَّةٍ
وَقَدْ هَزَّتِ الأَرْوَاحُ خِصْرَ كَتَائِبٍ
رَمَى قَزَحٌ نَبْلاً إِلَيْهَا فَجُرِّدَتْ
وَهَبَّتْ صَبَا نَجْدٍ فَجَرَّتْ غَلاَئِلاَ
كَأَنَّ بِصَفْحِ الرَّوْضِ وَشْيُ صَحِيفَةٍ
كَأَنَّ بِهِ الأُقْحُوَانَ خَوَاتِمَا
كَأَنَّ بِهِ النَّرْجِسُ الْغَضُّ أَعْيَا
كَأَنَّ شَذَى الخَيْرِيِّ زَوْرَةُ عَاشِقٍ وَجَارِيَةٍ تَسْقِي وَسَاقِيَةٍ تَجْرِي
يَرِفُّ عَلَى حَافَاتِهَا الزُّهْرُ كَالزَّهْرِ
بِأَلْوِيَـةٍ بِيضٍ عَلَى أَسَلٍ سُمْرِ
سُيُوفُ سَوَاقِيهَا عَلَى دَارِعِ النَّهْرِ
تُجَفِّفُ دَمْعَ الطَّلِّ عَنْ وَجْنَةِ الزَّهْرِ
وَكَالأَلِفَاتِ الْقُضْبُ وَالطِّرْسُ كَالتِّبْرِ
مُفَضَّضَةً فِيهَا فُصُوصٌ مِنَ التِّبْرِ
تُرَقْرِقُ فِي أَجْفَانِهَا أَدْمُعُ الْقَطْرِ
يَرَى أَنَّ جُنْحَ اللَّيْلِ أَكْتَمُ لِلسِّرِّ(1)
فالجوّ ليس جوّ حرب كما هو معهود في النصوص التي حللناها في الفقرة الأولى من هذا البحث، وإنما هو جو متعة ولذة كما هو بيِّن من بداية النص: "صوت غانية، صوت عود، جارية تسقي" وكل هذا يجري في أحضان الطبيعة حيث مياه الساقية تجري، وماء النهر في صَبِيبِه وكأنه ذيل ملاءة بيضاء، وحولها الزَّهْر كالنجوم الزُّهْر في أطراف المجرّة، ولكن فجأة يعرج الشاعر على الجانب العسكري فتبدو له الحديقة وكأنّ نباتَها كتائب عسكر يوم عرضها وهي تحمل ألوية بيضاء على الرماح، كنايةً عن بيض الورد على الأغصان الْمُلْدِ؛ ليس هذا فحسب وإنما يعود بنا الشاعر إلى الصورة التي طالما أفاض الشعراء فيها الحديث، وهي صورة قطرات المطر وهي تتقاطر على هذه الكتائب وكأنها نبال انطلقت من قوس قزح، فجرّدت سيوفَها التي هي السواقي، واحتمت بالنهر الذي هو الدرع، قبل أن يعود إلى الروض كما هو في الواقع بما فيه من أنواع الورد كالأقحوان والنرجس والنَّيْلُوفَرِِ.
وما يهمنا نحن من هذا التصوير هو أنّ الحرب لا تفارق صورة الطبيعة، لأنّ الشاعر الأندلسي على هذا العهد قد ألِفَ توظيف العناصر الطبيعية في أثناء حديثه عن الحرب والسلاح مما جعل مخيلته تمزج بين الصورتين كلما حاول الخوض في طرف من هذين الطرفين، فيستحضر صورة الطبيعة أثناء الحديث عن الحرب، كما يستحضر صورة الحرب أثناء وصف الطبيعة، فكانت النتيجة أن أسقط عناصر الطرفين على بعضها البعض كما يظهر من خلال ما يلي:
نبات الروض كتائب عسكر
الورد الأبيض بنود بيضاء
الأغصان الملد رماح سمراء
قوس قزح قوس الرمي
قطرات المطر نبال
السواقي سيوف
النهر درع
فهناك تناسب بين كل الأطراف، حتى إننا لو أخذنا هذه الصورة ووضعناها في القصائد التي قيلت في الحرب والجهاد لما أحسسنا بفارق، بل يخيّل إليَّ أنّ الطرف الثاني الذي يشكّل عتاد الجيش وكأنه يحرس الطرف الأول الذي يشكّل عناصر الطبيعة، مما يعني أنّ الحالة العسكرية التي كانت تمرّ بها الأندلس لم تترك مجالاً إلا ودخلت فيه، لأنّ الشاعر كباقي أهل الأندلس، كان يعيش جوّ الحرب يوميًّا وإن لم تكن قائمة، حتى إنّ قريحته الشعرية لا تطاوعه في كل ما يطرقه، إلا إذا عرج على هذه الحرب وعبّر عنها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، يقول أبوالبقاء الرندي في نص آخر:
وَلَيْلَـةٍ نَبَّهْـتُ أَجْفَانَـهَا
وَاللَّيْلُ كَالمهْـزُومِ يَوْمَ الْوَغَى
كَأَنَّمَا اسْتَخْفَى السُّهَا خِيفَةً
لِذَاكَ مَا شَابَتْ نَوَاصِي الدُّجَا وَالْفَجْرُ قَدْ فَجَّرَ نَهْرَ النَّهَارْ
وَالشُّهْبُ مِثْلُ الشُّهْبِ عِنْدَ الْفِرَارْ
وَطُولِبَ النَّجْـمُ بِثَأْرٍ فَثَارْ
وطَارَحَ النَّسْرُ أَخَاهُ فَطَارْ(2)
فهو في تصوير إدبار الليل وإقبال النهار، يستوحي قرب نهاية معركة ما، وقد هزم أحد طرفيها فتولّى هاربًا مدبرًا لا يلوي على شيء، كما شبه الشهب في السماء وهي تتجه نحو الاختفاء وقد اقترب طلوع النهار، بالخيول الشهب وهي تسرع في الهروب وقد ألهبها فارسُها المذعور ضربًا ووخزًا، ليسترسل بعد ذلك في تخيّل معركة تقوم في السماء بين نجومها "السهى والنجم والنسر الواقع وأخيه النسر الطائر".
فهذه الصورة وإن كانت عناصرها أبعد ما تكون عن السلاح والحرب، إلا أنّ الشاعر مع ذلك، وبتأثر من الجو الحربي الذي كان يعيشه، عقد روابط بينها ليبدو الليل كالمهزوم وشُهُبُه كالخيل الهاربة، والنهار كالمنتصر؛ بل إنّ هذه الصورة في العمق لها علاقة فعلية بتولّي بني الأحمر مُلْك الأندلس وانتصارهم على مَن نازعهم عليه من الأمراء المنتزين بالأندلس بعد سقوط دولة الموحدين بها، وهذا ما يظهر جليًّا عند تخلصه إلى مدح السلطان بقوله(3):
كَأَنَّمَا الشَّمْسُ وَقَدْ أَشْرَقَتْ وَجْهُ أَبي عَبْدِالإلَهِ اسْتَنَارْ
فتشبيهه وجه السلطان بالشمس يكشف عن دلالات الأبيات السابقة، إذ إنّ رمز النهار هو الشمس، ورمز الليل بَدْرُهُ وكواكبه، فإذا بزغت الشمس امّحتْ معالم الليل بما فيه. واستعمال الشاعر لتعبير "والفجر قد فَجَّرَ نهر النهار" يوحي بتلك الولادة القوية والعسيرة في آن واحد لعصر بني الأحمر، إذ لم تتضح معالم مُلْكهم إلا بعد مرور ما يربو على نحو نصف قرن من الصراع مع منافسيهم، فلمّا أشرقت شمسهم انطفأت كواكب أعدائهم.
ولست أدري إن كنت موفَّقًا إذا قلتُ بأنّ في هذا التعبير الخلاّب للرندي أثر لبيت النابغة الذبياني في قوله:
بِأَنَّكَ شَمْسٌ وَالْمُلُوكُ كَوَاكِبُ إِذَا ظَهَرَتْ لَمْ يَبْدُ مِنْهُنَّ كَوْكَبُ
ولن أبرح الرندي دون أن أشير إلى البيت السادس في المقطوعة السابقة، وهو:
كَأَنَّ بِصَفْحِ الـرَّوْضِ وَشْيُ صَحِيفَةٍ وَكَالأَلِفَاتِ القُضْبُ وَالطِّرْسُ كَالتِّبْرِ
حيث شبّه القضب بالألفات، وهي مكتوبة على صحيفة، مما يتبادر معه إلى الذهن ما سعى إليه بعض الشعراء من الرسم بالكلمات بحيث تبدو "اللامات" و"الألفات" بكثافتها في عبارة "كالألفات" كالقضب بطولها ودقة سيقانها وهي ثابتة في التراب.
ثم إنّ هيمنة الحرب على تصوير الطبيعة طغى كثيرًا على شعراء القرن الثامن، فهم أيضًا لم يتركوا فرصة تمرّ دون الإشارة إلى الحرب والسلاح في وصفهم لعناصرها، من ذلك مثلاً قول ابن الخطيب(4) يصف الرَّوض بأمر من السلطان:
وَانْظُرْ إِلَى الرَّوْضِ إِذْ هَبَّتْ مُحَدِّدَةً
وَجَرَّدَ الْمَـاءُ مِنْ عَهْدِ الطِّـلاَلِ بِهِ
وَأَوْتَرَ الْقَـوْسُ فِي آفَاقِهِ قُـزَحٌ
وَأَرْسَـلَ الْغَيْمُ نَبْلاً مِنْ سَحَائِبِـهِ طَلاَئِعُ الرِّيـحِ كَيْفَ اهْتَزَّ وَازْدَانَا
سَيْفًا مِنَ الْجَدْوَلِ الْمَسْلُولِ عُرْيَانَا
يَرْمِي فَـدَرَّعَ أَنْهَـارًا وَغُدْرَانَـا
أَدْمَى بِصَائِبِهَـا وَرْدًا وَنُعْمَانَـا
فالشاعر استهواه منظر الريح وهو يهبّ على الروض، حيث يزيده هذا الهبوب ازديانًا وجمالاً باهتزاز كل ما فيه، إلا أنه لم يصوِّر ذلك تصويرًا مباشرًا، وإنما تخيّل نوعًا من الحرب بين طلائع الريح، وكتائب الروض، إذ إنّ عبارة "الطلائع" توحي إلى الذهن بطلائع الجيش، ونعت الشاعر إياها بأنها محددة غاضبة، زاد في إذكاء هذه المعركة المتخيلة، فاسترسل في إدارة الحرب من خلال تصوير كل عنصر من عناصر الروض، وكأنه سلاح، فالجدول سيف مسلول جرّده الماء، وقوس قزح قوس للرمي، والأنهار والغدران دروع، والمطر نبال يُجيد الغيم تسديدها نحو جسد الروض، فتصيبه فتثعب جروحه دماءً، وهي عبارة عن شقائق النعمان بلونها الأحمر، وكل هذا كَنَّى به الشاعر عن تشقق الأرض بالورد غِبَّ ارتوائها بالمطر.
ومعنى هذا أنّ الشاعر يرى بأنّ جوّ الحرب بما فيه من كرٍّ وفرٍّ وسَلٍّ للسيوف ورميٍ بالنبال وصدٍّ بالدروع وما إلى ذلك، شكْلٌ من أشكال الجمال، ينبغي الإشارة إليه عند وصف كل منظر جميل، وهذا واقع نلمسه في وصف كل عناصر الطبيعة كما هو واضح أعلاه، ومن ثم لا عجب إن سعى الشاعر إلى جمع ذلك كله في نصوص عديدة تضم جمال الروض مع ما يعتقده جمال الحرب على نحو أثيري خلاّب، كما يظهر في هذه الأبيات الصبوحية التي يمدح بها أبا الحجاج يوسف الأول:
خُذْهَا فَقَدْ وَضَحَ الصَّبَاحُ وَلاَحَا
مَازَالَ يَكْتُمُ مِنْ حَدِيثِ نَسِيمِهِ
لَمَّا رَأَى جَيْشَ الصَّبَاحِ مُشَمِّرًا
وَالأُفْقُ يَرْفَعُ مِنْهُ بَنْدًا مُذْهَبًا
سَلَّ الْجَدَاوِلَ أَنْصُلاً مَصْقُولَةً
وَالزُّهْرُ تَسْقُطُ لِلْغُرُوبِ كَمَا ذَوَى
وَالطَّيْرُ يَدُعُو لِلصَّبُوحِ مُكَرِّرًا
فَكَأَنَّمَا الظَّلْمَاءُ طِرْفٌ أَدْهَمُ
لاَ تُوقِدِ المِصْبَاحَ وَاعْلَمْ أَنَّ لِي
حُثَّ الْكُؤُوسَ وَهَاتِنِيهَا قَهْوَةً
مِنْ كَفِّ فَاتِنَةِ اللِّحَاظِ غَرِيرَة
هِيَ رَوْضَةُ تَجْنِيكَ بَيْنَ لِثَاتِهَا
فَإِذَا اعْتَنَقْتَ أَوِ ارْتَشَفْتَ فَإِنَّمَا
وَامْزُجْ بِصِرْفِ الرَّاحِ عَذْبَ رُضَابِهَا
قَامَتْ تَقُولُ وَفِي فُتُورِ جُفُونِهَا
وَاسْتَنْطَقَتْ عُودًا بَمِدْحَةِ يُوسُفٍ وَالرَّوْضُ يُهْدِي عَرْفَهُ النَّفَّاحَا
وَالآنَ أَمْكَنَهُ الْحَدِيثُ فَبَاحَا
عَمَّتْ مَضَارِبُهُ رُبًى وَبِطَاحَا
وَيَسُلُّ مِنْ بِيضِ البُرُوقِ صِفَاحَا
تَبْدُو وَهَزَّ مِنَ الْغُصُونِ رِمَاحَا
زَهْرُ الرِّيَاضِ وَفَارَقَ الأَدْوَاحَا
فَتَرَاهُ قَدْ نَفَضَ الْجَنَاحَ وَصَاحَا
أَخَذَ الْعِنَانَ فَمَا يُفِيقُ جِمَاحَا
مِنْ وَجْهِ مَنْ أَحْبَبْتُهُ مِصْبَاحَا
تَنْفِي الْهُمُومَ وَتَجْلِبُ الأَفْرَاحَا
سَكْرَى الْجُفُونِ وَمَا سُقِينَ الرَّاحَا
خَمْرًا وَمِنْ وَجَنَاتِهَا تُفَّاحَا
عَانَقْتَ غُصْنًا وَارْتَشَفْتَ أَقَاحَا
مَا ضَرَّ أَن خَلفَ الْحَرَام مُبَاحَا
سِنَةُ الْكَرَى: مَوْلاَيَ عِمْتَ صَبَاحَا
مَوْلَى الْوَرَى شَمَلَ الوُجُودَ سَمَاحَا(5)
فهذه ثلاث صور تعانقت وتمازجت لتسفر عن صورة واحدة هي صورة المرأة والروض والحرب، وكلها أطراف ربط بينها شعراء هذا العهد ربطًا وثيقًا كما رأينا.
فابن الخطيب بدأ نصه بالحديث عن الروض الذي هاجمته جيوش الصباح كما هاجمته طلائع الريح في المقطوعة السابقة، فالروض إذن، دائمًا هو المعتدى عليه، فقد عسكر الصباحُ في البطاح والرُّبى، والأفق يُلوِّح بلواء الحرب بلونه الذهبي كلون بنود بني الأحمر، فقد أُعلنت الحرب وتحوّلت عناصر الطبيعة إلى سلاح، فالبروق سيوف، والجداول نصول، والغصون رماح. ثم دارت رحى الحرب، فأسفرت كعادتها عن ضحايا تتمثل عند الشاعر في النجوم الزُّهْر في السماء، وزَهْر الأدواح في الأرض، وهذا بدوره يستدعي نواحًا وبكاءً، فلم يجد الشاعر باكيًا ولا نائحًا أحسن من الطير الذي ارتفع صياحه وهو يلطم ويندب بجناحيه. وطبعًا لابد وأن يكون في المعركة مَن يُسلِم ساقيه للريح هاربًا، فكان عند الشاعر هو الظلماء التي شبّهها -كالرندي سابقًا- بفرس أدهم أرخو لنفسه العنان حتى لكأن جماحه لا تكاد تُدْرَكُ.

هنا يُتمّ الشاعر تصويره للروض من خلال تخيّل حرب بينه وبين الصباح، ليبدأ صورة أخرى قرن فيها بين الروض والمرأة، وقد بدأها بالحث على شرب الصبوح من كف فتاة لعوب صغيرة ذات العيون النواعس والجفون السكرى، ولكنه ما لبث أن حوّل انتباه المتلقِّي من الانسياق مع المرأة الحقيقية إلى الروضة التي هي بمنـزلة الأنثى عنده، ثم استرسل كما فعل سابقًا في تحويل كل عنصر من عناصر الطبيعة إلى مقابله في المرأة، فالتفاح خدود، والغصن قَدٌّ والأقحوان ثغورٌ.
من هنا تظهر الطبيعة وكأنها المحور، بينما الحرب والأنثى تجليات لها، لذلك نسج الشاعر علاقات بين الحرب والروض أولاً، ثم أتبعها بعلاقة بين الروض والأنثى ثانيًا، كما يظهر من خلال ما يلي:
1- الــروض
الصباح
الأفق
البروق
الجداول
الأغصان
الظلماء
الحــرب
جيش
لواء
سيوف
نصول
رماح
فرس أدهم

2- الـروض
التفاح
الغصن
الأقحوان
"الخمر"
المــرأة
خدودٌ
قَدٌّ
ثغرٌ
رُضابٌ
وبهذا يتضح وكأنّ الشاعر لا تتم عنده اللذة إلا بهذه العناصر الثلاثة "المرأة، الروض، الحرب"، والتي تتحد في علاقة معقّدة فيما بينها. فقد رأينا أنّ دلالات المرأة هي المكان/الأندلس، كما رأينا بأنّ الطبيعة بدورها تتحول بكل عناصرها إلى سلاح إبّان الحرب، وحتى في السِّلْم. ولكن لو أمعنّا النظر جيِّدًا لوجدنا أنّ الروض/الأرض، هو الجوهر وما عداه عرض، إذ حوله يدور القتال، وفي سبيله استشهد ألوف المسلمين المجاهدين على مدى القرون التي تواجدوا فيها بالأندلس. ومن أجل هذا الروض/الأندلس، تتحول كل العناصر والجوارح إلى سلاح لقتال العدوّ؛ ولعل هذا هو السبب الذي جعل ابن الخطيب يتخذ الروض عنصرًا ثابتًا في نصوصه بينما المرأة والحرب تجليات له تتجاذب معه الجمال، قال:
هَلْ تَذْكُرَانِ لَيَالِينَا وَقَدْ نَفَحَتْ
وَإِذَا نَعِمْنَا بِرَغْمِ الدَّهْرِ فِيهِ وَقَدْ
بِكُلِّ سَاحِرَةِ الأَلْبَابِ آيَتُهَا
تُنَازَعُ الْغُصْنَ لَدْنًا فِي تَأَوُّدِهِ
وَالرَّوْضُ يَجْلُو عِذَارَيهِ وَقَدْ لَبِسَتْ رِيحُ الصَّبَا فِي رِيَاضٍ لِلصَّبَا عَبِقِ
عَضَّ الأَنَامِلَ مِنْ غَيْظٍ وَمِنْ حَنَقِ
أَنْ تُطْلِعَ الشَّمْسَ فِي جُنْحٍ مِنَ الْغَسَقِ
وَتَخْصِمُ الرِّيمَ فِي الأَلْحَاظِ وَالْعُنُقِ
عَقَائِلُ الْوُرْقِ دِيبَاجًا مِنَ الْوَرَقِ(6)
فغير خافٍ ما في البيت الثاني من دلالة عميقة، إذ الشاعر يصرح بأنه "نَعِمَ" هو ومن معه بهذه الرياض رغم أنف الدهر الذي يتربص بهم/المسلمين الدوائر بالأندلس، وكأنه حسدهم على هذه النعمة وهذه المتعة، فودّ لو يستمتع بها سواهم، ولكن المسلمين باقون ومتشبثون بأرضهم رغم كل شيء، يذودون على حياضها ومستعدون للموت دونها كما أنهم ملحّون على الاستمتاع بها. ثم لاحظ ذِكْره للمرأة كمرادف للطبيعة، إلا أنّ ذِكْره لها عابر لم يستغرق سوى بيتين ليعود إلى الروض في تصوير مليء بالحركة والعواطف في باق الأبيات(7).
إذن، فشعر الطبيعة عند ابن الخطيب وعند سواه من شعراء عهد بني الأحمر، صيغة أخرى من صيغ الحرب بين المسلمين والمسيحيين، إذ إنّ وصفها يتم في ظلال الحرب وفي هواجسها، لأنها هي نفسها موضوع الحرب، وهي الجوهر الذي تتطلع إليه الأعناق للاستحواذ عليه والاستئثار به، فلا غرابة أن نجد في صور الطبيعة في هذه المرحلة نرجسًا إلى جانب سيف، أو نعمانًا إلى جانب دم أو سوى ذلك، يقول ابن الخطيب مرة أخرى:
حَدَائِقُ دِيبَاجٍ سَقَتْهَا مِنَ الْحَيَا
فَمَا شِئْتَ مِنْ نَرْجِسٍ وَبَنفْسَجٍ
وَهَبَّتْ رِيَاحُ النَّصْرِ فِي جَنَبَاتِهَا
مَطَارِدُ فُرْسَانٍ وَمَجْرَى مَسَابِحٍ سَحَائِبُ أَفْكَارٍ مُهَنَّأَةُ الْوِرْدِ
وَآسٍ وَسَوْسَانٍ نَضِيرٍ وَمِنْ وَرْدِ
فَأَنْشَأْنَ سُحْبَ الْعَنْبَرِ الْوَرْدِ وَالنَّدِّ
وَمَكْنِسُ غِزْلاَنٍ وَغَابَةُ ذِي لِبْدِ(8)
فالطبيعة الأندلسية مجمع الأضداد، ففيها كل أنواع الورد وكل أصناف العرف والأريج، ولكنها موجودة إلى جانب مطارد الفرسان ومجاري الخيول، وكأنّ بسائط المروج تتحوّل هي نفسها إلى ساحات للقتال والجهاد، قبل أن تهبّ رياح النصر للمسلمين فيكسوها الورد والاخضرار مرة أخرى، ثم تتحول إلى ساحات حرب، وهكذا تبقى أرض الأندلس دُولةً بين الورد والنقع والمطر والدماء إلى أن أذن الله بسقوطها نهائيًّا.
ولا أحبّ أن أغادر ابن الخطيب دون الإلمام قليلاً بقوله: "حدائق ديباج سقتها من الحيا سحائب أفكار"؛ ففي تحويل الفكر إلى سحاب هو غاية الإبداع والروعة فيما أرى، لأنّ مقاصد الشاعر تتمثّل في كون الطبيعة الموصوفة متخيَّلةً وبنتَ فكره، وليست من الواقع في شيء، إذ إنّ الطبيعة كما هي في الواقع المشهود قد تحوّلت سلفًا إلى أرض للقتال والمعارك، ولا يكاد يخضر منها جانب حتى يجف آخر، ولكن الشاعر مع ذلك يُوَلِّد من الأرض اليباب حدائق يسقيها بفكره، فينبت فيها النرجس والورد والياسمين، ولكن في ظل القسيِّ والرماح والسيوف، وهذا هو السر فيما أعتقد في امتزاج صورة الحرب مع صورة الطبيعة والمرأة، لتبدع صورة واحدة هي صورة الأندلس، وهي تتأرجح بين الثبات والسقوط، والفناء والبقاء.
وإلى جانب ابن الخطيب وصوره المتميزة، نجد شعراء آخرين ممن أجاد في هذا الباب كابن فركون، الذي نجد في ديوانه صورًا لا تقلّ روعة عما رأيناه، كقوله:
كَأَنَّ طُلُوعَ الْبَدْرِ عِنْدَ تَمَامِهِ
كَأَنَّ الضُّحَى وَجْهُ الْخَلِيفَةِ يُوسُفٍ
كَأَنَّ سَنَا الأُفْقِ الْمُوَرَّدِ سَيْفُهُ
فَلِلَّهِ رَوْضٌ بَاكَرَ الْغَيْثُ زَهْرَهُ مُحَيَّا ابْنِ نَصْرٍ وَالْكَوَاكِبُ جُنْدُهُ
وَمَا احْمَرَّ فِيهِ مِنْ سَنَا الْفَجْرِ بنْدُهُ
وَقَدْ رَاقَ مِنْ تَحْتِ النَّجِيعِ فِرِنْدُهُ
وَذَاعَ بِهَبَّاتِ النَّوَاسِمِ نَدُّهُ(9)
فهذه صور مركّبة يمتزج فيها بهاء الأفق وجمال السماء مع السلاح، إذ إنّ الشاعر ينظر إلى طلوع البدر وسط الكواكب المخيلة، وكأنه يوسف الثالث وسط جنده، ولم يكتف بهذا فاختار صورة أخرى، هي أنّ وجه الممدوح ضحى، والشفق الأحمر لواؤه، ثم ترك الممدوح جانبًا، وأبقى على سيفه، حيث يبدو الأفق بما فيه من ضياء وشفق وكأنه سيف السلطان وهو مضرّج بدماء العدوّ. واختصارًا لهذا التقابل بين صور الممدوح وصور الطبيعة، نكتبها مفككة على الشكل التالي:
البدر
الكواكب
الضحى
الشفق الأحمر
اختلاط البياض والحمرة في الشفق
وجه الخليفة
جنوده
وجه الخليفة
لواء أحمر
سيف الممدوح مضرجًا بالدماء
فنجد أنّ أجمل صور الطبيعة عند الشروق وفي الليل، قد جعل لها الشاعر مقابلاً عسكريًّا، يتمثّل في جيش بني الأحمر يقوده يوسف الثالث، وكأنّ الحرب وعناصرها برمّتها -كما سبق القول- نوع من الجمال، لا يقلّ روعة عن جمال الطبيعة وظواهرها، وبصيغة أخرى، إنّ الشاعر لا يرى متعة في جمال الطبيعة دون ذكر الجيش والحرب، إذ هما شيئان متلازمان في الخيال الشعري وفي الواقع الأندلسي المشهود.
ثم إنّ الشاعر في البيت الأخير انتقل إلى وصف الروض دون ربطه بالسلاح، وكأنّ ما ذكره في الأبيات السابقة قبله من جيش بقيادة السلطان، ما هو إلا جهاد يدور من أجل هذا الروض حتى يُزهر نباتُه ويعبق أريجه، ومن أجله يخرج الجيش للقتال حتى يبقى دائم الاخضرار والخصب ومصدرًا للحياة والاستمرار.
ومن صور الطبيعة المليئة بالحركة في علاقتها بالسلاح، نأخذ صورة أخرى لابن زمرك حيث يقول في وصف إحدى حدائق القصر ويمدح الغني بالله(10):
وَتَرَى الْبُحَيْرَةَ حَوْلَهُ مَصْقُولَةً
فَإِذَا يُسَـلُّ حُسَامُ نَهْرٍ سَائِـلٍ مِنْهَا دُرُوعٌ بِالصَّبَـا تَتَسَرَّدُ
لِلْحِينِ فِي دِرْعِ البُحَيْرَةِ يُغْمَدُ
فالبحيرة تبدو للشاعر وقد هزّت الصَّبا صفحة مائها، وكأنها دروع مُسرَّدة، إذ يبدو الماء المتوّج والمهتز إثر هبوب الريح وكأنه حلقات الدرع، إلا أنّ الشاعر يتمم هذا المشهد الطبيعي الخلاب، والحرب في نفس الوقت، بتخيّل انصباب ماء النهر في البحيرة وكأنه سيف يغمد في تلك الدروع، وبذلك اكتمل عنده المنظر الطبيعي الذي توخى تصويره، بموازاة مع المشهد الحربي المناسب له في الحركة والشكل واللون الفضي أو الحديدي أيضًا. ومن ثم تَناسَبَ عنده جمالُ الطبيعة مع جمال السلاح كما تخيّله.
ومما يمكن أن يلحق بهذا الشأن، ما نلاحظه عند بعض الشعراء من ربط بين الممدوح والطبيعة والسلاح ربطًا يصوّر فيه هذا الممدوح وكأنه شخص خارق للعادة، بحيث يملك قوة التحكم في الطبيعة وعناصرها المختلفة كما يتحكم في الزمان أيضًا، ومن ذاك مثلاً قول ابن زمرك نفسه في مخاطبة الغني بالله:
سُلّ السُّعُودَ وَخَلّ الْبِيضَ مُغْمَدَةً
وَاشْرَعْ مِنَ الْبَـرْقِ نَصْلاً رَاعَ مُصْلَتُهُ فَالسَّيْفُ مَهْمَا مَضَى فَالسَّعْدُ أَمْضَاهُ
وَارْفَعْ مِنَ الصُّبْحِ بَنْدًا رَاقَ مَرْآهُ(11)
صحيح أنّ الشاعر ما قصد غير تشبيه السيف بالبرق والبندَ بالصبح، ولكن طريقة التعبير توحي بأنه يقصد إلى جانب ذلك، تفخيم الممدوح وتهويل قوّته، بحيث إنّ البرق أو الصبح يبدوان مِلْكَ يديه، بل يبدو كأنه في غنًى عن السلاح، فسعده يكفي لسحق العدوّ لأنه أمضى من السلاح نفسه ويقوم مقامه، وهو في هذا كابن فركون حين قال مخاطبًا يوسف الثالث:
وَإِنْ لاَحَ نُورُ الصُّبْحِ منْ وَجْهِ يُوسُفِ
سَيُطْلِـعُ فِي لَيْلِ الْعَجَاجِ نُصُولَهُ رَأَيْتَ نجُومَ الأُفْقِ قَدْ رَعِشَتْ ذُعِرَا
نجُومًا وَيُبْدِي مِنْ عَزِيمَتِهِ فَجْرَا(12)

فالشاعر ينسخ الزمان الحقيقي بزمان مجازي، إذ إنّ نجوم الليل تبدو مذعورة، فأخذتها الرعشة لأنها أبصرت في وجه الممدوح صبحًا لاحت معالمه، حتى لكأنّ الليل قد جمع طيلسانه وولَّى هاربًا وجِلاً بظلامه ونجومه، والصبح/وجه الخليفة في أثره يتعقّبه، ولكن الشاعر رأى بأنّ قضاء الممدوح على الليل ما هو إلا تمهيد لليلٍ آخر بكل ما فيه، إذ إنه سيُحِلّ العجاجَ الأقتمَ محل الليل بِحِنْدِسِهِ، وستكون نصول الرماح فيه نجومًا ساطعة، أمّا الفجر فسيكون عزيمة السلطان؛ وظنِّي أنه ما قصد من الفجر إلا النصر، وهو ما قصده ابن زمرك بالصبح في بيتيه السابقَين وإن شبَّهَ به اللواءَ.

ومن ثم فإنّ ابن فركون جعل للسلطان زمانًا خاصًّا به داخل الزمان الحقيقي، فعجاج المعارك ليلُهُ، ونُصولُ رماحِهِ نجُومُهُ، وعزيمته فجره، وكل ذلك من أجل هدف مُعَيَّن يحدده الشاعر فيما يلي:
فَأَصْبَحَ لِلدِّيـنِ كَهْفًا مَنِيعًا
يَسُلُّ سُيُوفًا وَيَرْمِي نُصُولاَ
وَغَنَّى بِـدَوْحِ الْقَنَا صَاهِـلُ
يَخَـالُ دِمَاءَ الْعِدَا قَهْـوَةً وَرُكْنًا شَدِيدًا وَمَبْنًى وَثِيقَا
فَتُهْدِي نُجُومًا وَتُبْدِي بُرُوقَا
تُرِيكَ حُلاَهُ الْجَوَادَ العَتِيقَا
يُجِيدُ صَبُوحًا بِهَا أَوْ غَبُوقَا(13)
فالممدوح بصورته الملحمية هذه، حيث إنّ سيوفه بروق ونصوله نجوم، ورماحه غابة تحتال فيها الخيول صاهلةً أو قل مغنِّيةً، جعل من الأندلس -كما يرى الشاعر- كهفًا منيعًا وركنًا شديدًا ومبنًى وثيقًا لدين الله.
وهذا الهدف ليس مقصورًا على ابن فركون وحده، وإنما هدف عامّ لدى كل شعراء هذه المرحلة، إذ إنّ تصويرهم لكل عناصر الطبيعة مجاهدةً ومقاتلةً، لا للحفاظ على مُلْك بني نصر فقط، وإنما للحفاظ على دين الله قائمًا مرفوع اللواء في الجزيرة، وهذا رأينا في بداية هذا البحث، ونذكره الآن للتأكيد عليه باعتباره إحساسًا عامًّا لدى شعراء بني نصر، ولأجله استثمروا كل عناصر الطبيعة وطاقاتها لتصبح سلاحًا في أيدي جيوش المسلمين ضد جيوش الروم وصلبانهم.
ومن خلال هذا كله يتضح لنا بأنّ هاجس الحرب كان حاضرًا بقوة لدى الشعراء على عهد بني الأحمر وهم يصفون الطبيعة بعناصرها المختلفة، ذلك أنهم لا يرون جمال هذه الطبيعة إلا في ظل جمال الحرب والسلاح، فبحثوا عن العناصر التي يناسب بعضها بعضًا، فنسجوا بينها علاقات مختلفة على نحو أثيري خلاّب. والملاحظ في هذا الصدد هو أنّ هؤلاء الشعراء تواضعوا كلهم تقريبًا على وضع عناصر طبيعية بعينها مقابل أسلحة معيّنة، فالبرق مقابل السيوف، والأغصان مقابل الرماح، والنجوم مقابل النصول، والمطر مقابل النبال، وقوس قزح مقابل قوس الرمي، والجداول والغدران مقابل الدروع، والأنهار والسواقي مقابل السيوف، وشقائق النعمان مقابل الدماء، وغير هذا كثير كما رأيناه سابقًا.
فكانت النتيجة أن أبدعوا صورًا متميزة لها طابع خاصّ، من الظلم إلحاقها اعتباطًا بركاب سائر شعر الطبيعة بالأندلس، وإخضاعها لأحكام عامة جافة يرفضها شعر هذه المرحلة نفسه فضلاً عن دارسيه.
وقبل الانتقال إلى فقرة أخرى من هذا الفصل أشير إلى أنّ بعض الشعراء في هذا العهد -وبخاصة ابن زمرك- نظروا إلى الطبيعة أحيانًا وكأنها غيض من فيض الممدوح وأنّ كل عناصرها تمنح من بعض صفاته، وكأنه المركز وهي له تَبَعٌ.
فابن زمرك مثلاً ألحّ في كثير من قصائده على مقارنة الشمس والقمر بوجه الغني بالله، فيخرج من مقارنته تلك بأنّ ضياء هذين النَّيِّرَيْنِ متوقِّف على وجه الممدوح، وقد بلغ به الغلوّ أحيانًا مبلغًا يكاد -تعالى الله سبحانه عن ذلك علوًّا
Uيجعل فيه الغني بالله إلهًا من دون الله كبيرًا- يقول:
لَكَ فِي الْكَمَالِ مَظَاهِرُ لاَ تُلْحَقُ
مَوْلاَيَ يَا مَعْنَى الْجَمَـالِ وَسِرَّهُ
فِي كُلِّ عَيْنٍ مِنْ جَمَالِكِ قُرَّةُ
وَلَكَ السَّمَاحَةُ وَالْمَلاَحَةُ كُلُّهَا
شِمْتَ الصَّبَـاحَ بِغُرَّةٍ وَضَّاحَةٍ
كَمْ رَحْمَةٍ لَكَ فِي الْقُلُوبِ وَهَيْبَةٍ
لاَ قَلْـبَ إِلاَّ فِيهِ مِنْكَ صَبَابَـةٌ
تجلُو لَكَ الأَكْوَانُ مِنْكَ مَحَاسِنًا
فَالبَدْرُ يَأْخُـذُ مِنْ جَبِينِكَ نُورَهُ
وَالرَّوْضُ يَنْفَحُ عَنْ خِلاَلِكَ طِيبُهُ
الْبَحْـرُ أَنْتَ وَإِنَّمَا أَمْوَاجُـهُ
الشَّمْـسُ أَنْتَ وَإِنَّمَا أَنْوَارُهَـا فَبِكُلِّ شَأْوٍ لِلْمَكَارِمِ تَسْبِقُ
وَالْكَوْنُ أَلْسُنُهُ بِفَضْلِكَ تَنْطِقُ
وَبِكُلِّ قَلْبٍ لِلتَّجَلِّي مَشْرِقُ
وَلَكَ المحاسِنُ وَالجمَالُ المطْلَقُ
فَالْكُلُّ عَنْ ذَاكَ الصَّبُوحِ يُرَقِّقُ
فِيهَا الجمَالُ مع الجلاَلِ مُوَفَّقُ
لاَ طَرْفَ إِلاَّ مِنْ حَيَائِكَ يُطْرَقُ
فَمُغَرِّبٌ يَرْتَادُهَـا وَمُشَرِّقُ
والشَّمْسُ مِنْ قَسَمَاتِ وَجْهِكَ تُشْرِقُ
وَالزَّهْـرُ فِيهِ مِنْ ثَنَائِكَ يَعْبَقُ
تُحْيِي بِزَاخِرِ جُودِهَا مَنْ تُغْرِقُ
تُهْدِي الضِّيَاءَ وَحَرُّهَا لاَ يحرِق(14)
وقد ذكر هذه المعاني نفسها في غير ما موضع من ديوانه(15)، وتابعه أبو زكرياء يحيى بن أحمد السَّرَّاج على نحو أخفَّ، كما في قوله يخاطب يوسف الثالث:
فَالْبَدْرُ يَقْصُرُ عَـنْ ضِيَاءِ جَبِينِهِ
وَالزَّهْـرُ يَفْضَحُهُ تَأَرُّجُ ذِكْـرِهِ
وَالأَرْضُ تُبْهِجُهَا مَحَاسِنُ حُسْنِهِ
وَلَقَدْ صَفَـا لِلْخَلْقِ مَوْرِدُ رِفْقِهِ وَالبْحْرُ يَصْغُرُ عَنْ نَوَافِلِ بَذْلِهِ
وَالزُّهْرُ تَخْفِضُهَا مَوَاطِئُ نَعْلِهِ
وَالرَّوْضُ تُخْجِلُهَا شَمَائِلُ فَضْلِهِ
وَصَفَا عَلَى الآفَاقِ وَارِفُ ظِلِّهِ(16)
ولعله لا يخفى ما في هذه المعاني من ابتذال، بحيث يغيض ماء الشعر وينتفي بهاؤه، ولا يبقى منه إلا هياكل الكلمات، وإن كنّا نلمس فيها أحيانًا نزوعًا نحو تصوير جيّد للطبيعة، كما هو الشأن مع ابن الخطيب وهو ينحو هذا المنحى(17)، إلا أنّ هذا النوع من التصوير عمومًا يبقى قليلاً جدًّا قياسًا مع الصور التي سبق تفصيل القول فيها، وإنما ذكرتُ هذا للصلة التي تربطه بشعر الطبيعة في هذه المرحلة، وإن كان من صميم المدح لما فيه من مَلَقٍ وزَلَفٍ.
4- الشاعر والطبيعة بين المتعة والقلق:
تصادفنا أحيانًا أبياتٌ بعيدة الغَور ضمّنها الشعراء قصائدهم التي صوّروا فيها الطبيعة، بحيث يبدو وكأنّ الشاعر يريد أن يفصح بها عن شيء ما، إلا أنه يفضّل التلميح على التصريح، أو أنه يريد أن يجعل المتلقِّي يفهم إشارات ألفاظه فيحسّ به دون الخوض في التفاصيل.
ولعل الإمعان في هذه الأبيات يفضي إلى إدراك مدى قلق الشاعر الأندلسي في هذه المرحلة على مصير هذه الطبيعة، وخوفه مما ستؤول إليه، وذلك ربما لإحساسه العميق بأنّ خطر السقوط آت لا ريب فيه، خاصة في ظل الظروف التي كان يعيشها في بلاط بني الأحمر، علمًا بأنّ جُلَّ الشعراء الذين وصلتنا دواوينهم أو قدْرٌ كافٍ من شعرهم، قد تقلّدوا مناصب رسمية سامية في ذلك البلاط، مما أتاح لهم الاطلاع على أسرار القصر والدولة وخبايا الحياة السياسية التي كانت تزيد في نفوسهم ذلك الإحساس بالخوف والقلق على مصير الأندلس.
يقول أبو عبدالله الْمُستَحْيِي، وهو من أهل مالقة عاش في القرن الثامن، يصف الطبيعة في نَفَسٍ عميق الدلالة بعد أن قضى يومًا في نزهة مع أبي القاسم بن رضوان:
يَا رَوْضَةً تَنْـدَى وَيَعْبَقُ نَشْرُهَا
مَا لِي عَلَى أَلَمِ الْفِـرَاقِ تَصَبُّرٌ
كَيْفَ اصْطِبَارِي وَالحَمَامُ بِغُصْنِهِ
وَكَذَلِكَ الْغُصْنُ النَّضِيرُ إِذَا انْثَنَى
فَسَقَاكَ مِنْ دَمْعِي مُلِثٌّ يَنْهَمِي
فَلَقَـدْ نَعِمْنَا فِي فِنَائِكَ بِالْمُنَـى وَتَنِمُّ نَفْحَتُهَا شَذًى وَتَضَوُّعَا
قَلْبِي يَذُوبُ مِنَ الْفِرَاقِ تَوَجُّعَا
يَبْكِي لِبُعْدِ مَزَارِنَا مُتَفَجِّعَا
يُومِي إِلِيْنَا بِالسَّلاَمِ مُوَدِّعَا
أَهْمَى مِنَ السُّحْبِ الرِّهَامِ وَأَهْمَعَا
وَلَقَدْ جَنَيْنَا الأُنْسَ عِنْدَكَ أَجِمَعَا(18)
فالشاعر يصف نضارة الروض وغضارته، ولكن من خلال تصوير لحظة الفراق والوداع بما فيها من حرقة وألم، بمعنى أنّ بهاء الروض وجماله -وهذا أمر طبيعي- هو الذي جعل الشاعر يتحسّر على الفراق والبَيْن، فالروض نديٌّ، ونشره عَبِقٌ، وشذاه ضائعٌ، والغصن نضيرٌ، إلا أنّ كل هذه العناصر على جمالها وشدة تعلق الشاعر بها تبكي وتُوَدِّع، إذ الْحَمام في غصنه يبكي ويتفجع، والغصن يومئ في انعطافه بالسلام ويودِّع، فكيف لا يذوب قلب الشاعر ويتوجع من هذا كله؟! وكيف لا يرسل دمعه هاميًا هامعًا، كي يسقي الروض ويزيده اخضرارًا واستمرارًا؟!
صحيح أنّ الشاعر قال أبياته هذه في ختام نزهته، فلا تعدو أن تكون دعابةً أو مُلَحَةً من مُلَحِهِ، ولكن إذا نظرنا إليها من زاوية أوسع وأعمق، نجد أنها تنطبق تمامًا على حال الأندلس كلها وهي تنفلت أجزاؤها من بين أيدي المسلمين انفلاتًا مرعبًا، بحيث يبدو الشاعر وكأنه يخاطب الأندلس برمّتها لا روضة منفصلة من رياضها فحسب، ثم إنّ هذا الشعور ليس مخصوصًا بهذا الشاعر وحده وإنما نجد صداه عند غيره من الشعراء، يقول ابن الخطيب عقب واقعة طريف:
سَلُوا عَنِ الحُبِّ مِنْ قَلْبِي مُجَرِّبَهُ
سَقَى الإِلَهُ زَمَانَ الوَصْلِ صَوْبَ حَيَا
وَجَادَ رَبْعًا عَلَى أَكْنَافِ كَاظِمَةٍ
وَالْكَأْسُ تُجْلَى عَرُوسًا في مِنَصَّتِهَا
وَكُلَّمَا رَاشَ قَبْلَ الْقَطْرِ عَارِضُهُ
وَالسُّحْبُ تَبكِي وَثَغْرُ الزَّهْرِ مُبْتَسِمُ
عُهُودُ أُنْسٍ وَأَيَّامٌ لَنَا انْصَرَفَتْ
مَا لِلزَّمَانِ رَمَتْ نحوِي نَوَائِبَهُ
وَسَدَّدَ الدَّهْرُ دُونِي كُلَّ شَاحِبَةٍ
سَطَا عَلَيَّ وَقَدْ قَلَّ النَّصِيرُ وَهَلْ فَمَا الْمُقَلِّدُ يَوْمًا مِثْلَ مجتَهِدِ
جَوْنِ الرَّبَابَةِ لاَ نَزْرٍ وَلاَ ثَمِدِ
كُنَّا بِهِ مِنْ لَذِيذِ الْعَيْشِ في رَغَدِ
وَالرَّوْضُ يَرْفُلُ في أَثْوَابِهِ الجدُدُ
تَدَرَّعَ النَّهْرُ مَصْقُولاً مِنَ الزَّرَدِ
وَالنَّرْجِسُ الغَضُّ سَاهٍ وَالغَمَامُ نَدِي
أَخْنَى عَلَيْهَا الَّذِي أَخْنَى عَلَى لُبَدِ
فَأَقْصَدَتْنِي بِلاَ عَقْلٍ وَلاَ قَوَدِ
زَرْقَاءَ أَصْمَى شَبَاهَا فِلْذَةَ الْكَبِدِ
يُرْجَى الْغَنَاءُ لَدَى كَفٍّ بِلاَ عَضُدِ(19)
فالشاعر يُصوِّر إحساسه بعد واقعة طريف، حيث إنّ هزيمة المسلمين فيها قوّت لديه -وهو الشاعر ذو الوزارتين، الخبير بخبايا الدولة النصرية وما يروّج في سراديب بلاطها- الشعور بخطر زوال أكثر من أي وقت مضى، إلا أنه سلك في التعبير عن هذا مسلكًا ملتويًا يتحدّث فيه عن زمان الوصل، لا بالحبيب أو الأنثى بعامة، وإنما بالروض/الأندلس، بل إنّ عبارة "زمان الوصل" هذه استعملها الشاعر كما هي في موشّحته الشهيرة في التعبير عن الأندلس:
جَـادَكَ الْغَيْثُ إِذَا الْغَيْثُ هَمَى
لَمْ يَكُـنْ وَصْلُكَ إِلاَّ حُلُمًـا يَا زَمَانَ الوَصْلِ بِالأَنْدَلُسِ
في الْكَرَى أَوْ خُلْسَة المختلِسِ(20)
فالشاعر يتحدث عن "زمان الوصل" وكأنه مضى وانقطع، فمضى معه لذيذ العيش ورغده في روض وصف خضرته ونضارته، قبل أن يربط ذلك كله بأيام قد انصرمت، وقد أخنى عليها الذي أخنى على لُبَدِ، وتكفينا أبعادُ تضمين الشاعر لعَجُزِ بيت النابغة الذبياني:
أَمْسَتْ خَلاَءً وَأَمْسَى أَهْلُهَا احْتَمَلُوا أَخْنَى عَلَيْهَا الَّذِي أَخْنَى عَلَى لُبِدِ(21)
بكل ما يحمله من دلالة على الزوال والانقراض مهما طال العهد بهذه الأمّة أو تلك، ولست أدري ما مصدر هذا الاتفاق الغريب بين "لُبَد" سابع نُسُور لقمان بن عاد(22)، ويوسف الأول سابع ملوك بني نصر، وهل كان الشاعر على وعي بهذا الاتفاق، فعبّر بذكاء عن إحساسه بقرب زوال الأندلس وسقوطها من يد المسلمين، مهما طال العهد بها مثل "لُبَد"، بحيث تشكل هزيمتهم بطريف بدايتَه، أم أنه مجرد اتفاق لم يخطر له على بال.
ومهما يكن من أمر فإنّ الشاعر ينظر إلى الطبيعة الأندلسية من حوله نظرة شفقة أو خوف وقلق، تظهر أحيانًا في دعوته إلى اغتنام الفرصة قصد التمتع بها ما أمكنت المتعة قبل انصرام الوقت إلى غير رجعة، فقد لا يعيد الدهر فرصة مثلها، يقول:
أَدِرْهَا فَوَجْهُ الصُّبْحِ قَدْ كَادَ أَنْ يَبْدُو
وَخُذْهَا عَلَى آسِ الرِّيَاضِ وَوَرْدِهِ
كَأَنَّ سَقِيطَ الطَّلِّ فِي الرَّوْضِ وَالصّبَا
كَأَنَّ لِطَافَ الْقُضْبِ مِنْ فَوْقِ وَرْدِهَا
كَأَنَّ نَضِيرَ الْغُصْنِ جِيـدٌ مُنَعَّمُ
كَأَنَّ انْسِيَابَ النَّهْرِ بَيْنَ ظِلاَلِهَا
كَأَنَّ الصَّبَـا عِنْدَ الْهُبُوبِ تَحِيَّةٌ
فَبَادِرْ إِلَى اللَّذَّاتِ مِنْ قَبْلِ فَوتِهَا وَفِي كُلِّ غُصْنٍ سَاجِعٌ غَرِدٌ يَشْدُو
فَهَـذَا عِذَارٌ لِلرِّيَاضِ وَذَا خـَدُّ
تَهَادَاهُ طِفْلُ وَالْخُزَامَى لَهُ مَهْدُ
مَرَاوِدُ تَسْتَشْفِي بِهَا أَعْيُنٌ رُمْدُ
يَرِفُّ مِنَ الزَّهْرِ الجَنِيِّ بِهِ عِقْدُ
حُسَامٌ صَقِيلٌ وَالظِّلاَلُ لَهُ غِمْدُ
بِطَيِّبِهَا تَخْتَصُّ أَنْدَلُسَ الْهِنْدُ
فَمَهْمَا تَوَلَّتْ سَاعَةٌ مَا لَهَا رَدُّ(23)
فهذا التصوير البارع للطبيعة والذي لم يغب عنه السلاح طبعًا يشِفُّ عن نظرات بعيدة للشاعر نحو مستقبل الأندلس، بحيث إنه يستعجل التلذذ بهذه الرياض ما دامت مائلة أمام العينين بخضرتها وجمالها، فربما طواها الدهر بعد حين، فلا تجد من ينشرها مرة أخرى، أو بمعنى آخر، إنّ الشاعر يقرن بين لذة الروض ومتعته، بقلق نفسي يجتاح داخله، وكأنه آمن في أعماقه أنّ هذا البساط الجميل لن يبقى إلى الأبد بين أيدي المسلمين ما داموا على حالهم تلك بما فيها من فُرقة وفتنة. ولا تخفى خبرة الشاعر بأسرار السياسة الأندلسية، فقد كان -كما قلنا- عميدَها وربَّ قرارها، لذلك ما فتئ يؤشر على هذا القلق والتوجس من خلال تعابير شعره، قبل أن يضطر مغادرة الأندلس بنفسه نهائيًّا بعدما تأكد من تمكن الوشاية به إلى الغني بالله حين فسدت النوايا، واختلّت أمور الدولة النصرية، مما عجّل بنهايته بفاس على النحو المفجع المعروف بإيعاز من مخدومه الغني بالله نفسه.
وهذه النظرة نفسها نجدها عند أبي القاسم محمد بن قطبة الدوسي، حيث قال في إحدى روضياته كما نص على ذلك ابن الخطيب في ترجمته لهذا الشاعر، ولم يورد من النص الذي نستشهد به إلا البيتين التاليين:
يَوْمُنَا يَوْمُ سُرُورٍ فَلْتَقُمْ
إِنَّمَا الدُّنْيَـا مَنَامٌ فَلْتَكُـنْ تَصْدَعُ الْهَمَّ بِكَاسَاتِ الْمُدَامْ
مُغْرَمًا فِيهَا بِأَحْلَى الْمَنَامْ(24)
فلست أدري إن كان الشاعر يقصد بأنّ حياة المسلمين بالأندلس أصبحت حلمًا لذيذًا في سِنة الكرى، سرعان ما يفزعون منه على أصوات سنابك خيل الروم ليجدوا أنفسهم أمام واقع مُرٍّ ملؤه القتل والسبي والتنصير!! أم أنّ كلام الشاعر ما هو إلا تعبير بريء، ما قصد منه إلا ما يلوح في ظاهره؛ لكن هذه الدعوة إلى اغتنام فرصة المتعة/الحلم، لا نجدها فردية عند هذا الشاعر أو ذاك، وإنما هي دعوة تكاد تكون جماعية ترددت على ألسنة كثير من شعراء البلاط الغرناطي النصري؛ فهذا ابن زمرك وقد أصبحت عنده هذه الدعوة بمثابة لازمة عقب وصفه للطبيعة في غير ما قصيدة من قصائده، فمن ذلك مثلاً، ما نجده في قصيدة ربيعية مدحية بدأها بقوله:
زَمَانُ اعْتِدَالٍ قَدْ أَجَدَّ شَبَابَا
أَجِلْ نَظَرًا فِي الدَّوْحِ تُكْسَى أَزَاهِرًا
ثُغُورٌ تَـرُوقُ الْعَيْنَ مِنْهَا مَبَاسِمٌ وَأُلْبِسَ مِنْ زَهْرِ الرَّبِيعِ ثِيَابَا
وَقَدْ رَفَعَتْ بَيْنَ الرِّيَاضِ قِبَابَا
تَرَى النَّحْلَ يجْنِي بَيْنَهُنَّ رُضَابَا
واسترسل في الوصف حتى وصل إلى قوله:
فَسَابِقْ إِلى اللَّذَّاتِ فِي مَلْعَبِ الصِّبَا
فَمَا الْعَيْـشُ إِلاَّ غَمْضَةٌ ثُمَّ يَقْظَـةٌ وَأَنْضِ بِهِ دُهْمَ الشَّبَابِ عِرَابَا
فَخُذْ مِنْ لَذِيذِ الْحُلْمِ فِيهِ لُبَابَا(25)
فابن زمرك ربط هنا ربطًا مباشرًا بين وصف متميّز للروض، والدعوة إلى اغتنام فرصة التمتع به، وكأنه جال في خاطره ما جال عند سابقه من الخوف من انقطاع هذه الفرصة، فينبلج الصبح عن روض آخر من الدماء والجثث، تمامًا كالروض المتخيل الذي تحدثنا عنه فيما سبق، أو يسفر وقد استحوذ عليه الروم، لتبدأ متعتهم به بعدما تركه المسلمون يتهاوى من بين أيديهم كمن خانته فروج الأصابع!
وأما إذا انصرفنا إلى ابن خاتمة الأنصاري، فإننا نجده ينظر إلى رياض الأندلس نظرة أخرى نابعة من نَفْس صوفية مغايرة تمامًا لنظرة معاصريه، أو ممن أتى بعده من أشرنا إليه سابقًا، حيث يقول:
تَسَامَتْ لَكَ الأَكْوَانُ تجْلَى عَرَائسَا
وَنَادَتْ أَلاَ كُفْءٌ يُكَافِي وَمَا أَرَى
وَإِلاَّ فَمَا بَـالُ الْبَهَارِ مُحَدِّقًـا
وَمَا بَالُ صُدْغِ الآسِ أَخْضَرَ نَاصِعًا
وَمَا لِثُغُـورِ الزَّهْرِ تُلْفَى بَوَاسِمًا
وَلِمَ طَرَّزَ البَرْقُ الْغَمَامَ وَوَشَّحَتْ
وَمَا لِلآلِي الشُّهْبِ رُصِّعَ نَظْمُهَا
وَمَا لِبِطَاحِ الأَرْضِ أُبْدِعَ رَقْمُهَا
وَمَا لِحَمَامِ الأَيْكِ تَشْدُو تَرَنُّمًا
وَلِمَ قَبَضَ النَّيْلُوفَرُ الْكَفَّ خَائِفًا
أَتَحْسَبُ هَاتِي كُلُّهَا خُلِقَتْ سُدَى
وَإِنَّ قُصَارَاهَـا لِلَهْـوٍ وَلَـذَّةٍ فَلَوْ كُنْتَ ذَا عَيْنَيْنِ كُنْتَ المنَاجِيَا
لَهَا مِنْكَ كُفْؤًا إِنْ خَطَبْتَ مُكَافِيَا
وَقَدْ كَحَلَتْ مِنْهُ الظِّلاَلُ مَآقِيَا
وَمَا بَالُ خَدِّ الْوَرْدِ أَحْمَرَ قَانِيَا
إِذَا مَا عُيُونُ الْقَطْرِ ظَلْنَ بَوَاكِيَا
سَوَاجِمُهُ البَطْحَاءَ بِيضًا مَوَاضِيَا
فَأَمْسَتْ صُدُورُ الأُفْقِ عَنْهَا حَوَالِيَا
فَرَاقَتْ أَسَارِيرًا وَرَقَّتْ حَوَاشِيَا
وَمَا لِقُدُودِ الْقُضْبِ تَهْفُو تَعَاطِيَا
وَلِمَ بَسَطَ السَّوْسَانُ يُمْنَاهُ رَاجِيَا
لِغَيْرِ اعْتِبَارٍ، لاَ وَرَبِّكَ مَا هِيَا
لَقَدْ أَخْطَأَ التَّقْدِيرُ مِنْكَ المرَامِيَا(26)
فبعدما طاف الشاعر على كل أنواع الورد راسمًا قسماتها وأشكالها في سيل من الأسئلة الإنكارية التي تدغدغ أحاسيس المتلقِّي، خلص إلى الغاية التي هدف إليها: أهذا الجمال كله ليزداد المرء يقينًا مع يقينه؟
Uخُلِق سُدى؟ أم خلق للاعتبار والتأمل في خلق الله أم تراه خلق لِلَّذّة والمتعة واللهو كما رأينا مع بعض الشعراء آنفًا؟ وهنا يجيب الشاعر بنبرته الصوفية وهو يخاطب المتلقِّي: "لقد أخطأ التقدير منك المراميا".
وكأني بابن خاتمة ينتقد الوضع القائم آنذاك، فشيوع اللذة، والتهافت على اللهو والمتعة، هو الخطر الحقيقي الذي كان ينخر الأندلس من الداخل، ويُوَهِّن قواها أمام الأطماع الخارجية؛ لذلك قال بعد هذه الأبيات:
إِذَا مَا دَعَاكَ الخطْبُ كَيْ تَرْعَوِي لَهُ
فَلاَ شِـدَّةٌ تُعْدِيكَ إِلاّ لَجَاجَـةً
إِلَيْـكَ إِشَارَاتٌ وَعَنْـكَ عِبَـارَةٌ تَدَارَكَكَ اللُّطْفُ الخفِيُّ تَلاَفِيَا
وَلاَ فَتْرَةٌ تُجْدِيـكَ إِلاَّ تَمَادِيَـا
وَفِيكَ أَمَارَاتٌ فَلا تَكُ سَاهِيَا(27)
،
Uوهذا الربط بين الطبيعة والدعوة إلى الإنابة إلى الله والاعتبار في ملكوته الدقيق في صنعته وجماله، وإلى إصلاح ما فسد من الوضع القائم قبل فوات الأوان، نجده يتكرر لدى هذا الشاعر في نص آخر بصيغة أكثر تصريحًا وعمقًا، حيث يقول(28):
عَزَّ الرِّجَالُ فَهَلْ مَنْ يُسْتَرَاحُ لَهُ
كَرِّرْ لحاظَكَ فِي هَذَا الوُجُودِ تجِدْ
فَعَنْ لَطَائِفِـهِ الأَفْلاَكُ دَائِـرَةٌ
وَالرَّوْضُ مُلْتَحِفٌ وَالغُصْنُ مُنْعَطِفُ
وَمِلْ بِسَمْعِـكَ لِلطَّيْرِ الْمُرِنِّ إِذَا
وَلِلْمِيَـاهِ فَفِيهِ مَا تَرَاجَعُـهُ
وَشُمَّ إِنْ شِئْتَ أَنْفَاسَ النَّسِيمِ إِذَا
تَجِـدْ عَلَيْهِ أَرِيجًـا عَرْفُهُ عَبِقٌ
فِي كُلِّ حُسْنٍ لَهُ مَعْنًى يُشَاهِدُهُ
لاَ يَطْمَعُ الطَّرْفُ أَنْ يَحْظَى بمَلْمَحَةٍ
مَا بَعَّدَ الرَّاحَ عَنْ عَلْيَاءِ حَضْرَتِهِ بِنَفْثِهِ دَونَهَا الأَرْجَاءُ تَضْطَرِبُ
عَنْ ذَلِكَ السِّرِّ مَا يَبْدُو وَيحتَجِبُ
وَالشَّمْسُ حَاسِرَةٌ وَالبِدْرُ مُنْتَقِبُ
وَالزَّهْرُ مُبْتَسِمٌ وَالقَطْرُ مُنْتَحِبُ
نَمَّ الصَّبَاحُ فَعَنْهُ ذَلِكَ الطَّرَبُ
وَلِلْحُلِيِّ فَفِيهِ الْحَلْيُ يَصْطَخِبُ
مَا حَمَّلَتْهُ شَمِيمَ الرَّوْضَةِ السُّحُبُ
لاَ شَكَّ أَنَّ شَذَاهُ مِنْهُ مُكتَسِبُ
قَلْبٌ خَلاَ عَنْهُ إِفْكٌ وَامَّحَتْ رِيَبُ
مِنْ حُسْنِـهِ وَلِغَيْرٍ عِنْدَهُ أَرَبُ
شَيْئٌ سِوَى أَنَّهُ قَدْ خَانَهَا الأَدَبُ
فربط الشاعر بين هذه الصُّوَر الجامعة لكل الحواسّ سمعِها وبصرِها وشمِّها، وقوله "عزّ الرجال فهل مَن يُستراح له"، ينطوي على دلالات عدة، لعل أبرزها يأس فيها، حتى إنهم
Uالشاعر من رجال زمانه في تقدير هذه الخيرات التي مكنهم الله فرّطوا فيها، فها هي ذي تسقط بين أيدي المسيحيين على مرأى ومسمع منهم ولا يملكون إزاءها حيلة، لا لاسترداد ما ضاع، ولا للدفاع عما بقي منها، فأصبحت بلاد المسلمين في انتقاص وانحسار مستمرَّين، وهم عن غيِّهم لا يرْعَوُون، لهذا ختم إحدى قصائده بعد غزل ووصف شفيفَين رفيقَين بقوله:
عُهُودُ أُنْسٍ عَسَاهَا أَنْ تَعُودَ فَمَا
لَهْفِي عَلَى زَمَنٍ فِي ظِلِّهِ سَلَفَتْ
مَا أَقْـدَرَ اللهَ أَنْ تُثْنَى أَعِنَّتُهَـا
لَئِنْ مَحَتْهَا أَكُفُّ الدَّهْرِ عَنْ بَصَرِي أَتَمَّ حُسْنًا وَأَحْلَى إِنْ ذَكَرْتُ بِفِي
لَمْ يُبْقِ غَيْرَ عَقَابِيلٍ مِنَ الأَسَفِ
فَيَشْتَفِي كَلِفٌ بِالشَّوْقِ فِي كُلَفِ
فَإِنَّ مَشْهَدَهَا في الْقَلْبِ غَيرُ خَفِي(29)
فلا شك أنّ الشاعر يتجاوز بهذه الإشارات معاهد الأحبّة ومنازلَهم إلى ما هو أشمل وأعمّ إلى بلاد الأندلس التي ضاع معظمها ولم يُبق منها الدهر إلا شريطًا ضيِّقًا على شاطئ البحر، ومع ذلك لا يزال السقوط آخذًا بأطرافها، وليس للشاعر إلا الحسرة والأسف، فقد عزّ الرجال، والنفوس قد خانها الأدب، وكل شيء يتحوّل بسرعة خاطفة إلى ذكرى يحملها في فؤاده، بعدما حوّل الدهر كل شيء إلى أشباح وصُوَر تتراءى له في خياله وقد مُحِيَتْ من الواقع، ولم يبق منها إلاّ اللمم.
هذه هي صورة الطبيعة في شعر هذه المرحلة، صور طغى عليه الجانب العسكري أكثر من كل شيء، ذلك بأن الشعراء لم يقفوا عند حدود المألوف بين الناس، وإنما تجاوزوه إلى تصوير كل عناصر الطبيعة وكأنها أسلحة تجاهد وتقاتل ضد الروم دفاعًا عن بلاد الأندلس، بل إنّ الهاجس العسكري ظل مسيطرًا عليهم حتى وهم يصفون الرياض والحدائق وجمالها، وكأنهم لا يرون جمال الطبيعة إلا في ظل جمال الأسلحة، إن كان للسلاح جمال!!
ينضاف إلى ذلك كله، تصوير الشعراء للطبيعة الأندلسية وهي تشارك المسلمين احتفالهم بنصر في معركة، أو تهنئة بتولي الملك، أو ما إلى ذلك؛ كما تشاركهم مآسيهم التي ما فتئ الدهر يوجهها إليهم بسهامه، فتنتفض كل عناصرها خشية السقوط وهي تأبى مغادرة ديار الإسلام إلى ديار الكفر.
الهوامش:
* جامعة محمد بن عبد الله، الكلية المتعددة التخصصات، تازة، فاس، المملكة المغربية.
(1) الإحاطة، 3/370، وواضح أنّ رواية هذا النص مضطربة، فإلى جانب الإيطاء في البيت السابع هناك كسر في وزن صدري البيتين السابع والثامن، ناهيك عن خللهما في النحو والمعنى، وراجع مقطوعة أخرى للشاعر وقد نحا فيها نفس المنحى في التصوير في الذيل والتكملة، 4/137-138.
(2) الإحاطة، 3/366؛ ونفح الطيب 4/489-490.
(3) الإحاطة، 3/367؛ ونفح الطيب 4/490، وراجع تفاصيل هؤلاء الأمراء الثائرين بالأندلس في الدراسة التي نشرتها لنا مجلة "العرب" ج3و4/س41، رمضان وشوال 1426هـ/تشرين1-تشرين2 2005م، وج5و6/س41 ذو القعدة وذو الحجة 1426هـ/كانون1 وكانون2 2006م، تحت عنوان "من خصائص الشعر الأندلسي في القرن السابع الهجري".
(4) ديوانه، 2/582-583. والعهد به في البيت الثالث قصد به اللقاء والطلال جمع طل وهو أجود المطر.
(5) نفسه، 1/221-223. (6) نفسه، 2/690.
(7) راجع بقية النص في الديوان 2/691 فهو طويل.
(8) نفسه، 1/298-299. (9) ديوانه، ص134.
(10) ديوانه، ص124.
(11) نفسه، ص508-509.
(12) ديوانه، ص106.
(13) نفسه ص335، وقارن هذه الأبيات بأبيات تشبهها قالها ابن زمرك قبله في ديوانه ص153.
(14) ديوانه، ص262.
(15) راجع الصفحات 44 و50-51 و86 و242.
(16) مظهر النور الباصر ص82، وقد كرر الشاعر المعاني نفسها في ص83-84 من المصدر نفسه.
(17) راجع ديوانه مثلاً في 1/292-293 و 1/470.
(18) مذكرات ابن الحاج النميري ص139، وترجمة الشاعر في المصدر نفسه ص138، وأمّا أبو القاسم بن رضوان فراجع نفح الطيب 4/22.
(19) ديوانه، 1/275-276، ومعركة طريف وقعت في السابع من جمادى الأولى سنة 748هـ/30 أكتوبر 1341م، وانهزم فيها المسلمون هزيمة نكراء، راجع تفاصيلها في تاريخ ابن خلدون، عناية خليل شحادة، دار الفكر، ط2، 1988م، 7/346. والعقل: الدية، والقود: القصاص.
(20) نفسه، 2/792.
(21) ديوانه، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، ط2، بدون تاريخ، ص16.
(22) راجع: شرح البيت في هامش الصفحة نفسها نم الديوان.
(23) ديوانه، 1/279-280، وراجع أبياتًا شبيهة بها في 1/282-283.
(24) الإحاطة، 2/251.
(25) ديوانه، 250-251 وراجع ص 261، وص272 حيث نجد المعاني نفسها في صيغ أخرى.
(26) ديوانه، تحقيق محمد رضوان الداية، منشورات وزارة الثقافة، سوريا 1972م، ص11-12.
(27) نفسه، ص13.
(28) نفسه، ص29.
(29) نفسه، ص44.












عرض البوم صور جهاد ابو غرابه   رد مع اقتباس تقرير بمشاركة سيئةتقرير بمشاركة سيئة
قديم 28-02-2008, 10:47 AM   المشاركة رقم: 6 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مشرف قسم قبائل الأنصار وعوائلهم
الرتبة:

البيانات
التسجيل: 4 / 10 / 2007
العضوية: 475
المشاركات: 179 [+]
بمعدل : 0.11 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 5
نقاط التقييم: 10
جهاد ابو غرابه is on a distinguished road

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جهاد ابو غرابه غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جهاد ابو غرابه المنتدى : حـدائـق الأدب
افتراضي

المصدر/ مجلة العرب السعودية












عرض البوم صور جهاد ابو غرابه   رد مع اقتباس تقرير بمشاركة سيئةتقرير بمشاركة سيئة
قديم 28-02-2008, 11:07 PM   المشاركة رقم: 7 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
::مراقب منتديات::
مشرف الواجهة الرئيسية
الرتبة:

البيانات
التسجيل: 22 / 4 / 2007
العضوية: 96
المشاركات: 1,053 [+]
بمعدل : 0.57 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 7
نقاط التقييم: 10
عمر الأنصاري is on a distinguished road

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
عمر الأنصاري غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جهاد ابو غرابه المنتدى : حـدائـق الأدب
افتراضي



جهاد أبو غرابة

أشكرك على هذا النقل الطويل جدا

أكيد المتعة والفائدة موجودة !!!

توقيعي هنا لكي أطلع عليها وعلى

سطورها !!!

أشكرك مرة أخرى !!!












توقيع : عمر الأنصاري

مــا أجمل الحياة على حاشية الأزرقين ...
البحر والسماء ،،،،،،،،
كأن المتأمل ، مرسوماً " بينهمــا " ....

عرض البوم صور عمر الأنصاري   رد مع اقتباس تقرير بمشاركة سيئةتقرير بمشاركة سيئة
قديم 08-03-2008, 03:24 PM   المشاركة رقم: 8 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
::مراقب منتديات::
الرتبة:
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية ابوطلال

البيانات
التسجيل: 14 / 4 / 2007
العضوية: 72
المشاركات: 4,792 [+]
بمعدل : 2.57 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 10
نقاط التقييم: 19
ابوطلال is on a distinguished road

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
ابوطلال غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جهاد ابو غرابه المنتدى : حـدائـق الأدب
افتراضي

مشاركة طويلة ومفيدة لذلك لابأس بالإطالة موضوع مشوق ورائع كلمات واحرف صورة الطبيعة الأندلسية الرائعة المسلوبة وجعلتنا نشاهدها وكأننا نعيش من خلالها الواقع .

بارك الله فيك اخي جهاد












توقيع : ابوطلال

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

عرض البوم صور ابوطلال   رد مع اقتباس تقرير بمشاركة سيئةتقرير بمشاركة سيئة
قديم 08-03-2008, 03:32 PM   المشاركة رقم: 9 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
::مراقب منتديات::
الرتبة:
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية علي الأنصاري

البيانات
التسجيل: 20 / 6 / 2007
العضوية: 219
المشاركات: 3,733 [+]
بمعدل : 2.07 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 8
نقاط التقييم: 23
علي الأنصاري is on a distinguished road

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
علي الأنصاري غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جهاد ابو غرابه المنتدى : حـدائـق الأدب
افتراضي

شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .


اخى الغالى جهاد ابوغرابة عمل ممتاز ومميز


تحياتى لك












توقيع : علي الأنصاري

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

عرض البوم صور علي الأنصاري   رد مع اقتباس تقرير بمشاركة سيئةتقرير بمشاركة سيئة
قديم 05-11-2010, 09:33 PM   المشاركة رقم: 10 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
:: عضو ::

البيانات
التسجيل: 5 / 11 / 2010
العضوية: 4630
المشاركات: 1 [+]
بمعدل : 0.00 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 0
نقاط التقييم: 10
سناء الخشافي is on a distinguished road

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
سناء الخشافي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جهاد ابو غرابه المنتدى : حـدائـق الأدب
افتراضي

موضوع رائع جداااا ومستوى راقي في كتابة المقالة وهذا طبعا من شيم استاذنا العزيز السيد الدكتور بويوزان الذي يعودنا دائما على كل جديد من حيث الغوص في بحر الادب العميق و يؤنسنا بخفة دمه اللامتناهية وسنبقى دائما بلابله المغردة لمدحه وانتظار المزيد من العطاء منه.












عرض البوم صور سناء الخشافي   رد مع اقتباس تقرير بمشاركة سيئةتقرير بمشاركة سيئة
 
   
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ابن حزم الأندلسي أبو عمار الأنصاري حـدائـق الأدب 10 26-07-2008 04:10 PM
درس الحصان الأحمر المسلم التربيـة والتعليـم 4 21-11-2007 06:29 PM
الأنصاري بدولة الكويت تعالوا لنتعرف عليهم ؟؟؟ سبحان الله قبائل الأنصار وعوائلهم 45 15-09-2007 04:14 PM
أهمية الرضاعة الطبيعة للطفل والأ الخنساء الحيـاة الأسريـة 5 01-08-2007 04:37 PM
جمالية الطبيعة الصحراوية في قبر عون .. شاهد واستمتع ابوطلال العـــام 8 19-06-2007 08:01 PM


الساعة الآن 06:55 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
- : Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.3.0 TranZ By Almuhajir
This Site Under control | Open Eyes Product