الحلقة الأولى
إنّ الحديث عن الطبيعة في الشعر الأندلسي قد استنفد كثيرًا من جهد الدارسين للأدب الأندلسي من الفتح إلى السقوط، بحيث لا تكاد تخلو دراسة أو بحث عن هذا الأدب إلا وخصص جزءًا من بحثه أو فصلاً من دراسته للحديث عن الطبيعة في هذا الجزء المفقود من العالم الإسلامي؛ إلاّ أنّ المتتبع لظواهر وقضايا الشعر الأندلسي على امتداد حقبه وعصوره المختلفة، يلاحظ تحوّلاً بيّنًا في طريقة حديث الشعراء الأندلسيين على عهد بني الأحمر عن الطبيعة وعناصرها، وفي كيفية استحضارهم لدلالاتها المتنوعة في أشعارهم، حتى ليُخيّل للدارس لأدب هذه الحقبة والشعر منه بخاصة، أنّ نظرة الشعراء -وبدافع من الظروف الثقافية والسياسية والعسكرية التي كانت تعيشها الأندلس قبيل السقوط والوداع الأخير لدار الإسلام- قد تغيّرت تغيّرًا جذريًّا في النظر إلى الواقع والمجتمع وإلى الحياة بوجه عامّ.
وأحبّ أن أشير منذ البداية إلى أنّ حديثي في هذا البحث عن الطبيعة، لا يدخل في إطار الحديث المعهود عنها، بحيث أتتبع وصف الشعراء للرياض والبساتين ومجالس الأنس فيها وما إلى ذلك مما كان شائعًا في مراحل معيّنة من تاريخ الأندلس(1)، وإنما أريد أن أنحو فيه منحى خاصًّا له ارتباط وثيق بحالة الأندلس وهي تعيش مراحلها الأخيرة في ظل الإسلام، بما هي حالة قلق وتوجس ومعاناة حذر السقوط؛ مما حمل معه شعورًا آخر نحو الطبيعة، لأنها هي بنفسها قد تغيّرت، إذ لم تعد رياض تجوال وسهر وسمر، ولم تعد أنهارها أنهارًا، ولا الأطيار أطيارًا في عيون الشعراء.
ومن ثم لم تعد الأحكام التي صدرت على شعر الطبيعة بالأندلس في أبحاث كثير من الدارسين عربًا ومستشرقين، أحكامًا صالحة تنسحب على الشعر الأندلسي كله أوله وآخره دون تمييز بين مراحله المختلفة بخصائصها وسماتها، فلا يمكن التسليم بالرأي القائل: "والخلاصة، أنّ وصف الطبيعة في الأندلس كان على الغالب الأعم شغفًا بمحاسنها وتصويرًا حسيًّا لمباهجها، تموج به بين حين وآخر خفقة من حياة، ودفقة من عاطفة صادقة"(2).
وجلّ من عرّج على دراسة الطبيعة في هذا الشعر خلص إلى ما خلص إليه هذا الباحث، أو إلى خلاصة قريبة منها. ولكن إذا كانت هذه الأحكام تصدق على شعر مرحلة معيّنة من مسيرة الشعر الأندلسي الطويلة، فإنها لا تصدق بالضرورة على شعر كل مراحله. ولعل إبداع هذه المرحلة التي نتحدّث عنها خير مثال على ذلك، فقد انطبع شعرها بطابع خاص يشذّ عن مثل تلك الأحكام.
صحيح أنّ شعراء بني الأحمر طالما تغنّوا بالنواوير المختلفة التي زيّنت جنان قصور الحمراء ورياض غرناطة التي اشتهرت بها من دون سائر المدن التي بقيت بأيدي المسلمين على عهد بني الأحمر، حتى إنّ ابن بطوطة قال عنها في رحلته "وخارجها لا نظير له في بلاد الدنيا"(3). وصحيح أيضًا أنّ هؤلاء الشعراء ذهبوا في التفنن في ذلك الوصف مذاهب شتى، إلا أنّ المتمعّن في هذا الوصف وفي دلالات الصور التي صُبّ فيها، سيجد أنها تنطوي على إحساس خاص، إحساس بالقلق والخوف على هذه الطبيعة الخلابة من أن تنفلت من أيدي المسلمين فيستمتع بها غيرهم، لأنها غرس غرسوه طوال القرون الماضية، فلا يحق أن يقطفه النصارى، ويأخذوه ناضجًا مكتملاً على طبق من ذهب.
لهذا فإنّ شعراء بني الأحمر صوّروا الطبيعة تصويرًا يتماشى والظروف السياسية والعسكرية التي كانت تعيشها الأندلس، وكأنهم بذلك يريدون أن يكشفوا عن الوجه الآخر للطبيعة الأندلسية، وجه يؤثر ويتأثر، وينفعل ويتفاعل، يقاتل ويقتل، وينشرح لنصر، بقدر ما يتجهّم لهزيمة. ومن ثم، فقد تحوّل كل شيء في الطبيعة الأندلسية، سماؤها وأرضها وأشجارها وأنهارها وورودها، ليصبح سلاحًا يجاهد ضد الروم، وكأنّ حسّ التحدّي من أجل البقاء لم يعد مقصورًا على الإنسان وحده، وإنما تسرّب إلى وردة حمراء في غصن، أو نجمة متوهّجة في السماء.
فقد قال أبو المطرف بن عميرة المخزومي في أبياته الشهيرة:
ولأرضِ أندلـسٍ إليكَ بِحالهـا
سقِمَـتْ بِعُبّادِ المسيـحِ وإنها
رُحماكَ فيهـا من أخيـذَةِ أَذْؤُبٍ
وبِفَوْتِهـا يَقْوَى القياسُ فَسُـق إلى شكوى الهشيمِ إلى السحابِ الممطِرِ
في أن تكونَ مسيحَها لا تَمْتَرِي
يُزْرِي بقسوتِهـا زئيرُ القَسْوَرِ
إِبْطالِـهِ نصَّ الجِيـادِ الضُّمَّرِ(4)
فأرض الأندلس عطشى، وبها نزوع نحو السقيا نزوغ الهشيم إلى السحاب الممطر؛ ولكن الشاعر حدّد نوع المطر الذي تهفو إليه نفس الأندلس، إنه: "الجيادُ الضمَّرُ"، كما حدّد نوع القحط الذي ابتليت به، وهو قوله: "سقمت بعباد المسيح". مما يعني أنّ الأرض التي ستسقيها "الجياد الضمَّر" لن يكون نباتها الورد والغصن الرطيب، وإنما سيكون نباتًا من طينة أخرى، يتماشى مع نوع السقيا الذي سقيت به، بقدر ما يتماشى مع نوع القحط الذي اجتاحها؛ وهذا هو النبات الذي تشكلت منه الطبيعة في مخيلة شعراء بني الأحمر، ودأبوا على تصويره في أشعارهم، يقول ابن الخطيب:
وإن أنت في روض الجهاد غرسته تبسّم عن زهر الفُتوحِ افتتاحُه(5)
فالروض عند الشاعر ليس هو الروض المعتاد، وإنما هو روض ملحمي يعكس -كما قلنا- المرحلة الصعبة التي كانت تعيشها الأندلس آنذاك، إنه "روض الجهاد"، ويتفتح عن زهر ليس ككل الزهور، وإنما هو "زهر الفتوح"، ويسقى بمطر، ولكنه مطر من نوع آخر يحدده ابن الخطيب في قوله:
وأتـاح أندلسًـا بحدِّ حُسامِـه قَسْرًا فأحيا الأرضَ بعد مواتها(6)
فهو مطر يسيل على حد السيف، إنه "النجيع"، فكانت النتيجة أن أحيا الأرض بعد مواتها.
وكلام ابن الخطيب يتمّم كلام ابن عميرة قبله، فتتحوّل معه الطبيعة إلى طبيعة أخرى تنفلت من حدود الحسية التي تغنَّى بها كثير ممن درس شعر الطبيعة في الأندلس فأخضعوه لأحكام عامة؛ فنحن أمام روض للجهاد، غرسه ملك نذر نفسه للجهاد -وهو تعبير تردّد كثيرًا على ألسنة الشعراء على هذا العهد في قصائدهم التي مدحوا فيها ملوك بني الأحمر- ويزهر بالفتوحات لأنه سُقِي بدم الأعادي، فانبعثت الأندلس من جديد، ودبّت فيها نسائم الحياة بعد نكباء الموت، يقول ابن الخطيب في صورة أخرى أكثر تفصيلاً، وتشمل حتى كلام ابن عميرة:
دعتْكَ قلوبُ الناسِ إذ عمَّ جَدْبُها
فأنزَلْتَ غَيْثًا من سماءِ عَجاجَةٍ
تَهُبُّ رِيـاحُ النَّصْرِ في جنباتِهـا ولجَّ الأسى فيها وَجَلٌ التأسُّفُ
تُرى دَلْوُها شُهْبَ الأسِنَّةِ تَقْذِفُ
رُخاءً ورعدُ الطّبْلِ خلْفَكَ يقصِفُ(7)
فالناس عمّهم جدب، ولكنه ليس جدب زرع وشجر، وإنما هو جدب أسى وتأسف، تساقطت معه مدن الأندلس تساقط أوراق الشجر أيام القحط والجفاف، وتعرّت معه ديار المسلمين فأصبحت عورة، يستبيح الروم حرماتها متى شاؤوا، ويغنمون ويسبون، ويقتلون وينهبون، ولا من مصرخ ولا مغيث، إنه جدب وجودي، وليس جدبًا طبيعيًّا، ومن ثم فإنه يستدعي سقيا من سِنْخِهِ وطبيعته، فكأنّ أبا الحجاج يوسف الأول -ممدوح ابن الخطيب في هذا النص- يبدو في هذه الأبيات رجلاً ملحميًّا أو أسطوريًّا "أنزل" غيثًا ينهلُّ قَطرُه من نصول الأسنّة اللامعة لمعان الشهب، وقد نزل من سحاب غريب تكوّن من عجاج كرِّ الجياد وفَرِّها، ومن إقبال الجنود وإدبارها، ومن رعد أغرب منه، هو قصف الطبل وهو يقرع خلف الجنود.
وكل هذه الجلبة انبلجت أخيرًا عن رياح رقيقة تهبّ رخاء على الأرض التي كانت تشكو المحل والقحل، ولكنها رياح تنسجم مع صور هذه الأبيات، إنها رياح النصر.
فنحن أمام صور غريبة للأرض وللسماء معًا، لا تمتّ إلى الطبيعة المعهودة بصلة، بحيث إنّ الشاعر أضفى هذه الصور الغريبة على الأشياء المألوفة، فأصبح كل شيء غريبًا:
السحاب العجاج
الغيث نصول الرماح
الرعد الطبل
النسائم الندية بعد المطر رياح النصر بعد المعركة.
بمثل هذا، يُسقى روض الجهاد/أرض الأندلس، فتعود إليها الحياة بعد مواتها، ويحل الخصب الحقيقي محل الجدب الوجودي -إن صح هذا التعبير- بل إنّ سماء الأندلس تهمي أحيانًا بأمطار من الدماء لتسقي هذا الروض الذي رسمه ابن الخطيب، حيث يقول أستاذه ابن الجياب:
فكفّاكِ في يَوْمَيْ وغًى وسماحةٍ
يفيضُ على العافين غيثَ عوارِفٍ غمامٌ بأرجاءِ البسيطةِ مُرْهَمُ
ويَهْمِي على الأعداءِ من وَبْلِهِ دمُ(8)
فكفَّا الممدوح كلتاهما غمام، فإن كان يوم السماحة، فهي تمطر على العافين غيث عوارف، وإن كان يوم وغى، فهي تمطر على الأعداء وَبْلا من الدم. ودعنا نتخيّل مطرًا من الدماء وهي تهمع على البطاح وتسيل بها الأودية، ولنجمع هذه الصورة إلى الصور السابقة، لينجاب الحجاب عن الوجه الحقيقي للطبيعة التي أراد شعراء بني الأحمر تصويرها للتعبير عن الحياة الملطخة بالدماء، والتي عاشوها يومًا بيوم حتى لفظت الأندلس أنفاسها الأخيرة.
1- الصورة الملحمية لعناصر الطبيعة
من خلال ما سبق ترتسم في أذهاننا صور عامة للروض/أرض الجهاد/ الأندلس، وللمطر الذي يسقيه بما هو أسنّة ورماح ودماء، وللزهر الذي هو نصر وفتوح، وكلها عناصر موازية للطبيعة الحقيقية بما فيها من أرض ومطر وزهر. وكأن الشعراء بذلك يطوون سجلّ مرحلة من مراحل الطبيعة بالأندلس ويفتحون آخر؛ فقد ولّى عهد الحديث عن حمامة البان، وأريج الخيري والنيلوفر والياسمين، والأنهار والطلال؛ ليحل محله الحديث عن نفس العناصر ولكن بطريقة أخرى، لأنها اكتست بكساء آخر ودّعتْ من خلاله زمن السلم والأمان لتستقبل زمن الحرب والصراع، لتستنفر بذلك الأندلس كل عناصرها لتتحوّل إلى جنود تقاتل وتجاهد ضد المحتل والقحط الذي هو قشتالة التي لا تبقي ولا تذر. يقول أبو البقاء الرندي مادحًا مؤسس الدولة النصرية:
كأنّ راحتَه رَوْضٌ ولا زَهَرٌ
مِنْ أصفرٍ حُبُّهُ للمجدِ أَنْحَلَهُ
أخُو الرُّدَيْنِيِّ مِن شكلٍ ومَكْرُمَةٍ
وأبيضٍ صِيغَ من ماءٍ ومن لهبِ
ماضِي العِذَارِ يَهَابُ الغُمْرُ صَوْلَتَهُ
أبهى من الوَصْلِ بعد الهَجْرِ مَنْظَرُهُ
وأسْمَـر ظنّ ماءً كلَّ سابِغَـةٍ
هامَ الكُمَـاةُ به حُبًّا ولا عَجَبٌ غيرَ اليراعِ بها والبِيضِ والأسَلِ
فلو يراهُ الهوى ما شاء لم يَحُلِ
وربّمـا طالهُ فِعْـلاَ ولم يَطُلِ
على اعتِمَالٍ فلم يَجْمَدْ ولم يَسَلِ
كأنمـا هو مطبوعٌ من الأجَـلِ
حُسْنًا وأقْطَعُ من بينٍ على مَلَلِ
فحاصَ كالأَيْمِ يستسقِي من النَّهَلِ
منْ لوعـةٍ بِمَلِيحِ القَدِّ مُعْتَدِلِ(9)
فالشاعر يقيس راحة الملك على الروض كما يتصوره، وكما يريده أن يكون؛ لأنّ المرحلة لا تريد سواه، فهي تحتاج إلى روض بدون زهر؛ لأنّ الدولة النصرية في مرحلة التأسيس والزرع، أمّا مرحلة القطف والجني فستأتي من بعد، وهذا ما عبّر عنه ابن الخطيب سابقًا حين صوّر الزهر فتوحًا.
فكف السلطان -كما يتخيلها أبو البقاء الرندي- روض لا ينبت إلا عناصر ثلاثة: الأقلام والسيوف والرماح. وحتى القلم عند التفصيل شبهه الشاعر بالرمح القويم الأصم، لأنه شبيهه شكلاً ومكرمة، بل إنّ فعل القلم قد يتجاوز فعل الرمح على قِصَرِه. وأمّا السيف فهو سليل ماء ولهب، حتى إذا استوى بجانبيه الماضيين حدّ الآجال بحدِّهِ، وليس هذا فحسب، وإنما هو في منظره أبهى من الوصل غِبَّ هجْرٍ طويل، بينما حدّه أقطعُ وأقتلُ من هَجْرٍ بعد وصْلٍ لذيذ. أمّا الرمح فإنّ به من الأُوَامِ ما جعله يتخيّل كل درع لامعة مَنْهَلَ ماء لا يلبث أن يغشاها، ليروي غُلّته كالأفعى وهي تنساب إلى جداول المياه طلبًا للريّ، فلا عجب إن هام الكماة بهذا الرمح فهو مليح قَدًّا واعتدالاً، وكل ذي قَدٍّ معتدل ووجه مليح، حريٍّ بهذا الهيام.
فالشاعر يمزج العواطف الإنسانية بلمسات عسكرية، بل إنّ الأولى تترتب عن الثانية، لأنّ الجو المخيّم آنذاك على الأندلس هو جوّ عسكريّ حربيّ لا مجال فيه إلا للرماح وللسيوف وهي أزهار الرياض ونفح طيبها، يقول الرندي أيضًا:
وكتيبةٍ بالدارِعِينَ كثيفةٍ
رَوْضُ المنايا قُضْبُها السُّمُرُ التي
فيها الكُماةُ بنو الكُماةِ كأنّهُمْ
مُتَهَلِّلينَ لدى الصّياحِ كأنما
مِن كلِّ لَيْثٍ فوق برقٍ خاطِفِ
من كلِّ مـاضٍ يَنْتَضِيهِ مِثْلُهُ
لبِسُوا القلوبَ على الدروعِ وأشرعوا
وتقدّمُوا ولهم على أعدائِهِـمْ
فارتاعَ ناقـوسٌ لِخَلْعِ لسـانِهِ
ثم انْثَنَـوْا عنه وعـن عُبّـادِهِ جرَّتْ خُيُولَ الجَحْفَلِ الجَرَّارِ
من فوقِها الرّاياتُ كالأزهارِ
أُسْدُ الشّرَى بين القَنا الخطّارِ
خُلِقَتْ وُجُوهُهُمْ من الأقمارِ
بيمينه قَـدَرٌ من الأقـدارِ
فَيَصُبُّ آجـالاً على الأعمارِ
بِأَكُفِّهِمْ نـارًا لأهلِ النـارِ
حَنَقُ العِـدَا وحمِيَّةُ الأنصارِ
وبكى الصليبُ لِذِلَّةِ الكُفَّارِ
وقد اصبحوا خبرًا من الأخبار(10)
فالشاعر يضع أمامنا صورتين: صورة الروض الحقيق بكثافة نباته وشجره وزهره، وهي صور ملغاة، لأنها ظل يتبادر إلى أذهاننا فقط من خلال تركيزه على الصورة الأخرى التي هي صورة الكتيبة بكثافتها، وكثافة رماحها وبنودها، وهي الصورة التي أراد الشاعر إيصالها إلى المتلقّي؛ لأنّ حال الأندلس يقتضيها ويستدعيها، وعليها يترتّب القسم الثاني من النص.
فإذا كانت صورة الروض الظلّ -التي نقيس عليها صورة الكتيبة- مجالاً للنـزهة والمتعة والاستجمام، فإنّ صورة روض المنايا بنباته القنا، وبنوده الأزهار، مجال للدماء والموت. وهذا يعني أنّ أديم الأندلس في عين الشاعر تحوّل كله إلى ساحة للمعركة من أجل البقاء: فالأشجار تحوّلت إلى رماح، والأزهار إلى بنود، والناس إلى أُسُود، إنها حديقة موت أو روض منايا، لها حنق كحنق العدا، وحمية كحمية الأنصار، ولا هدف لها إلا بعث الحياة في جسد الأندلس من خلال القضاء على قشتالة؛ فكانت النتيجة أن ثُلَّتْ عروش الكفر، وارتفع الأذان، وخرس الناقوس، وعزّ دين الله، وذلّ الصليب.
فالأندلس في عين الشاعر لم تعد مجالاً للّذة والمتعة -كما أسلفت- وإنما فرض عليها القدر أن تكون عنصرًا مشاركًا في الحرب، وعناصره المختلفة جنود ضمن كتائب المسلمين، وأصبح لكل عنصر من هذه العناصر التي طالما أسال الشعراء مدادهم في وصف بهائها، وظيفة تصبّ كلها في وادي الموت، يقول ابن الخطيب:
سَحَابٌ إِذَا تَهْفُو بُرُوقُ صِفاحِهِ
وغِيلِ لُيُوثٍ عَابُهُ مِن سِلاَحِـهِ
وَرَوْضٍ سَقـاَهُ النَّصْرُ صَوْبَ غَمَامِهِ
فَأَغْصَانُـهُ مُلْتَفَّـةٌ مِن رِمَاحِـهِ هَمَى عَارِضٌ جَهْمٌ بِوَدْقِ نِبالِهِ
وآسَادُهُ يَوْمَ الوَغَى مِن رِجالِهِ
وَدَارَتْ عليهِ مُفْعَمَاتُ سِجَالِهِ
وَأَوْرَاقُهُ مُخْضَرَّةٌ مِن نِصَابِهِ(11)
إنّ الشاعر يجسّد الطبيعة في صورة ملحميّة تتفاعل عناصرها في حركة عسكرية وحربية ضاربة في الخيال، قبل أن تسفر عن النتيجة المتوخّاة وهي النصر؛ ومع ذلك تستمر هذه الصورة الملحميّة دون توقّف، كما يظهر من خلال التقابل بين العناصر التالية:
البروق السيوف
المطر النبال
الغاب السلاح
الرجال الأُسُود
الأغصان الرماح
الأوراق النصال
وتكتمل هذه الصورة بصورة أخرى لا تقل ملحميّة عن هذه، وقد برع فيها الشاعر، وهي قوله:
وَحَنَتْ به عُوجُ الْقِسِيِّ ضُلُوعَهَا
فَكَأَنَّمَا قُـزَحٌ حَنَتْ أَقْوَاسَـهُ تَغْتَـالُ فِيـهِ جَوَانِحًـا وَقُلُوبَا
أَيْدِي الغَمَامِ وأَمْطَرَتْ شُؤْبُوبَا(12)
وبذلك نجد أنفسنا أمام صورة وكأنها حلم، حتى بهاء قوس قزح تهاوى فيها أمام الصراع الإسلامي المسيحي في الأندلس، ليتحوّل إلى قوس تمرق منه السهام لتستقرّ في قلوب الأعداء، حتى لتبدو للناظر على بعد وكأنها شآبيب المطر تتتابع صيِّبَةً نحو الأرض.
فتظهر الطبيعة في عين الشاعر وقد تحوّلت برمّتها إلى سلاح يدافع ويقاتل
ولا أثر فيها للطبيعة الوديعة الهادئة المعهودة، وقد اشتعلت كل جنباتها بالحديد والنار حتى لكأنّ ذلك الجوّ العسكري يخيّم على المتلقِّي ذاته، ويسد عليه منافذ التفكير في أيّ شيء إلا فيه، يقول ابن فركون وقد أدلى بدلوه هو أيضًا في الموضوع ليصوّر رياض الأندلس على غرار سابقه:
تُجَرِّدُ سَيْفَ اللهِ كَفُّكَ فِي الوَغَى
وَللنَّقْعِ سُحْبٌ فَوْقَ رَوْضٍ مِنَ القَنَا كَمَا لاَحَ أَثْنَاءَ الغَمَامَةِ بَارِقُ
وَحُمْرُ الظُّبَا في جَانِبَيْهِ شَقَائِقُ(13)
فالشاعر يصوّر روضه الخاص كما تراه عينه وخياله، لا كما هو موجود في الواقع المادّي المحسوس، فهو روض تجهّمت فيه السماء وأنذرت بالمطر، ولكن البرق فيها هو سيف يوسف الثالث الذي حكم الأندلس ما بين 810 و820هـ/ 1408 و1417م، وهو يومض في الآفاق يكاد يُعشي العيون، والسحب ما هي إلاّ نقع تثيره الكتائب -كما رأينا سابقًا مع ابن الخطيب- وهي تهمّ الإمطار فوق روض نباته الرماح، وشقائق النعمان فيه نصول السيوف وقد تضرّجت بالدماء.
فابن فركون حوّل حتى جمال الروض اليانع الذي كسته شقائق النعمان إلى روض غريب له جماله الخاص، شكلته الرماح والظبا الملطخة بالدماء؛ ومع ذلك فهو يحتفي بهذا المنظر وتستحبه نفسه؛ لأنه وإن كان يبعث الرعب في النفوس، إلاّ أنه لابد منه لبقاء الأندلس، ولابد أن تألفه نفوس المسلمين وتطمئنّ إليه؛ لأنه يحمل إليهم البشرى والأمل في البقاء؛ لذلك نراه يلحّ عليها في شعره غير ما مرة، من ذلك مثلاً قوله في صورة أخرى:
إِذَا مَاجَ بَحْرُ الرَّوْعِ خَاضَتْ غَمَارَهُ
وَمَهْمَا دَجَا لَيْـلُ العَجَاجِ أَرَاكَ مِنْ
وَقَدْ أَسْمَعَتْ غُرُّ الجِيَـادِ صَهِيلَهَا
فَتَحْسِبُ أَنَّ الحَـرْبَ أَبْدَتْ حَدِيقَةً صَوَافِنُهُ تَحْكِي السَّفِينَ الْمُلَجِّجَا
مُحَيَّـاهُ صُبْحًـا لِلْهُـدَى مُتَبَلِّجَا
وَرَاقَتْ حَوَالَيْهَـا العَوَالِي تَوَشُّجَا
بِهَا القُضْبُ مُلْدًا والحَمَائِمُ هُزَّجَا(14)
فقد صارت الطبيعة الهادئة الحقيقية وليدة لهذه الطبيعة الملحميّة، ولا طريق إليها إلاّ عبر غاب من الرماح، وبحر من النجيع، وهو ما يصوّره الشاعر وقد نقل المعركة من البر إلى البحر، إلاّ أنه ليس بحرًا من المياه، وإنما هو بحر من الرعب والهلع، ومع ذلك تخوضه الخيول المسلمة، وكأنها سفن أمعنت في لجة البحر غير آبهة بموجه المتلاطم؛ إذ لا خيار لها سواه، ولأنه من هذا الرعب، ومن هذا الليل الذي دجا بفعل النقع والغبار، ينبلج الصبح، صبح الهدى الذي طال ارتقابه، حيث تخرس فيه ألسنة النواقيس ويذلّ فيه عبّاد الصليب، كما قال أبو البقاء الرندي آنفًا، ولكنه مع ذلك -يستمر ابن فركون في تصويره الغريب- فلابد من صهيل الخيل وهي تمخر عباب بحر الرَّوْعِ كما تقدّم، تحفّ بها الرماح المتشابكة بين أيدي الكماة وهم يتقدّمون نحو الموت يطلبون الشهادة تحت ظلال السيوف، وهناك تُولَدُ حديقة من رحم الحرب، هي تلك الحديقة التي افتقدها المسلمون بالأندلس بأغصانها الملد وحمامها الشادي المترنّم فوقها، فتكون بذلك الحديقة المحسوسة في الواقع الملموس، وليدة لحديقة خيالية ملحميّة تتشكّل عبر كل ما له علاقة بالحرب والسلاح.
وبالتالي فإنّ الشاعر ابن فركون -ومن خلال هذه المقطوعة- أحسّ بأنّ الطبيعة قد تغيّرت تمامًا من رياض الورد والحمائم والنسائم إلى رياض القنا والسيوف والدماء؛ لأنه من هذا التحوّل نرتقب ميلاد الحديقة الأصلية وعودتها إلى طبيعتها، ومن حدائق الموت تجنى أزاهر الحياة، وإلاّ فستضيع الأندلس وتموت بكل ما فيها.
ومن ثم لابد وأن تستمر صورة الحديقة الملحميّة، ولابد من أن تتغيّر أرض الأندلس وسماؤها، يقول ابن زمرك:
وَكَمْ ذَابِـلٍ يَهْتَزُّ فِي كَفِّ دَارِعٍ
وَكَمْ دَارِعٍ يَأْوِي إِلَى ظِلِّ رَايَةٍ
وَكَمْ رَايَةٍ حَامَتْ عَلَى فَتْحِ مَعْقِلٍ
وَنَجْمِ سِنَانٍ فِي دُجَا النَّقْعِ ثَاقِبٍ
وَسُحْبٍ قَتَامٍ بِالسِّهَامِ مُرِشَّةٍ
وَأَبْيَضَ رَقْرَاقِ الصَّفِيحِ بِنَهْرِهِ
إِذَا مَا طَفَتْ فِيهِ حُبَابُ رُؤُوسِهِمْ
وَلَمْ أَرَ مِثْلَ السَّيْفِ يَضْحَكُ فَاتِكًا
صَفِيحَةُ هِنْـدٍ بَلْ صَحِيفَةُ كَاتِبٍ فَقُلْتُ قَضِيبٌ فِي غَدِيرٍ تَأَوَّدَا
فَقُلْتُ غَدِيرٌ تَحْتَ دَوْحٍ تَسَرَّدَا
فَقُلْتُ عُقَابٌ حَوْلَ وَكْرٍ تَلَدَّدَا
إِذَا مَا خَبَا نَجْمُ السَّمَاءِ تَوَقَّدَا
إِذَا أَمْطَرَتْ نَار الحُرُوبِ تَزَيَّدَا
قَدِ اسْتَعْذَبَتْ أَهْلُ الضَّلاَلَةِ مَوْرِدَا
رَأَيْتَ لَهُ خَدًّا أَسِيلاً مُوَرَّدَا
وَيَكْسُو ثِيَابَ الفَخْرِ مَهْمَا تَجَرَّدَا
تُخَطُّ بِهَا آجَالُ مَنْ ضَلَّ وَاعْتَدَى(15)
فالشاعر يفصّل في هذه الصورة أكثر مما فصّل سابقوه ولاحقوه أيضًا، ويعدّد عناصر الطبيعة وقد تحوّلت بحرمّتها إلى أدواب حرب. ومع ذلك أضفى عليها جمالها الخاص الذي لا يترك فيه على عادته جانبًا إلاّ ولمسه بريشة خياله الخلاّب. إلاّ أنّ الملاحظ هو أنّ الصور هنا مركّبة وليست بسيطة أحادية الجانب، -كما رأينا- بحيث إنه لم يصوّر المطر سهامًا أو الأغصان رماحًا، وإنما يقابل بين صورة مركّبة من أكثر من عنصر في الطبيعة المعهودة بمعادلها في الطبيعة المخيَّلَة.
فصورة الرمح يحمله كمي بدرعه اللامعة، يبدو له غصن بانٍ في غدير ماء صاف يميل مع النسيم حيث يميل. وصورة الدارع -مرة أخرى- وهو يحمل راية، تبدو له غدير ماء رقراق يعكس تشابك أغصان الأشجار، وكأنها حلقات الدرع يمسك بعضها ببعض، وصورة الراية يحملها جندي يَكِرُّ بها ويَفِرُّ حول معقل من معاقل الروم وقد أوشك أن يفتح، تبدو له صورة عُقًابٍ يحوم حول وَكْرِه قبل النّـزول فيه، وصورة سنان الرمح في غبار المعركة، تبدو له صورة نجم ثاقب متوهّج أكثر من أيّ نجم في السماء، وصورة النقع الذي تمرق منه السهام، تبدو كالشرار المتطاير من النار؛ وكلتا الصورتين متولَِّدة من صورة المطر في الغزارة -كما رآها الشاعر-. وهنا توقّفت الصور المركَّبة ليبدأ الشاعر في تصوير السيف الذي بدا له نهرًا ماؤه عذب يَرِدُهُ أهل الضلالة، فتبدو فيه رؤوسهم المبتورة عن أجسادها مثل الحباب الذي يعلو صفحته، ثم انتقل إلى تصوير نصل السيف الملطّخ بالدماء، وكأنه نهر أحمر جار تورّد خدّه من كثرة الدماء، فهو نهر دم تتصل صورته بصورة مطر الدم التي رأيناها مع ابن الجياب سابقًا، وكأنّ شعر هذه المرحلة يأخذ بعضه برقاب بعض لتشكيل صورة كاملة للطبيعة الأندلسية الملحميّة في ذلك العهد.
ويستمر ابن زمرك وهو يصف السيف وكأنه "نَيْرُون" يتلذّذ بآلام الآخرين، فكلّما ازداد فتكًا، ازداد بهجة وانشراحًا، وكلّما تجرّد من غِمده/ثيابه، كُسِي ثياب العز والفخر، ليختم هذا كله بصورة يصوّر فيها متن السيف وكأنه صحيفة كاتب تخط فيها آجال الأعداء/أهل الضيافة.
وحتى تتوضح لنا معالم هذه الصور أكثر نجمعها على الشكل التالي:
اهتزاز رمح في كف دارع ميلان غصن في غدير ماء
دارع يحمل راية غدير تحت شجر كثيف
راية حائمة حول معقل عقاب حام حول وَكْرِهِ
نصل رمح في عجاج الحرب نجم السماء في ليل بهيم
سهام تمرق من عجاج الحرب شرار النار المترامية
سيف صقيل ملطخ بالدماء واد من الدماء
رؤوس الأعداء حباب الماء.
والملاحظ في الأبيات الثلاثة الأولى أنّ هناك تموّجًا عمد إليه الشاعر إمعانًا منه في ترسيخ الصورة المتوخّاة في ذهن المتلقِّي؛ إذ إنّ ما ختم به الشطر الأول من البيت الأول، بدأ به الشطر الأول من البيت الثاني، وما ختمه به، بدأ به الشطر الأول من البيت الثالث، على هذا النحو:
رمح دارع
دارع راية
راية عقاب
فقد كرّر "الدرع" و"الراية" كما كرّر "دُجى النقع" و"السحب القتام"، هذا فضلاً عن إسهابه في وصف السيف في الأبيات الأربعة الأخيرة من النص، وكأنه لم يكتف بما اكتفى به غيره من الشعراء، فعمد إلى التكرار حتى تتوضّح الصورة المتخيَّلَة في ذهن المتلقِّي أكثر من الصورة الحقيقية للطبيعة نفسها كما هي في الواقع الملموس.
ولنتوقّف عند نموذج آخر من الصورة المركّبة مع إبراهيم بن الحاج النميري الغرناطي حيث نلمس براعة فائقة في تخيّل الأشياء، حتى لتبدو وكأنها هي الواقع الحقيقي، يقول: